(أَعْمالَهُمْ) التي هي أرواحهم المعنوية وهي كل شيء يقصدون به نفع أنفسهم من جلب نفع أو دفع ضر بعد أن وفر سيئاتهم وأفسد بالهم ، ومن جملة أعمالهم ما يكيدونكم به لأنها إذا ضلت عما قصدوا بها بجعله سبحانه لها ضالة ضائعة هلكت من جهة أنها ذهبت في المهالك ومن جهة أنها ذهبت في غير الجهة التي قصدت لها فبطلت منفعتها المقصودة منها فصارت هي باطلة فأذهبوا أنتم أرواحهم الحسية بأن تبطلوا صورهم وأشباحهم بأن تقطعوا أوصالهم وأنتم في غاية الاجتراء عليهم ، فإن ربهم الذي أوجدهم قد أبطلهم وأذن لكم في إبطالهم ، فإنه قد علم أنه لا صلاح لهم والمؤذي طبعا يقتل شرعا ، فمن قدرتم على قتله فهو محكوم بكفره ، محتوم بخيبته وخسره.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما انبنت سورة الأحقاف على ما ذكر من مآل من كذب وافترى وكفر وفجر ، وافتتحت السورة بإعراضهم ، ختمت بما قد تكرر من تقريعهم وتوبيخهم ، فقال تعالى : ا (لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى) أي لو اعتبروا بالبداءة لتيسر عليهم أمر العودة ، ثم ذكر عرضهم على النار إلى قوله (فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ) فلما ختم بذكر هلاكهم ، افتتح السورة الأخرى بعاجل ذلك اللاحق لهم في دنياهم فقال تعالى : (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ ، فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها) الآية بعد ابتداء السورة بقوله (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ) فنبه على أن أصل محنتهم إنما هو بما أراده تعالى بهم في سابق علمه ليعلم المؤمنون أن الهدى والضلال بيده ، فنبه على الطريقين بقوله (أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ) وقوله في الآخر (كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ) ثم بين أنه تعالى لو شاء لانتصر منهم ولكن أمر المؤمنين بقتالهم ابتلاء واختبارا ، ثم حض المؤمنين على ما أمرهم به من ذلك فقال : (إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ) ثم التحمت الآي ـ انتهى.
ولما ذكر أهل الكفر معبرا عنهم بأدنى طبقاتهم ليشمل من فوقهم ، ذكر أضدادهم كذلك ليعم من كان منهم من جميع الفرق فقال تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا) أي أقروا بالإيمان باللسان (وَعَمِلُوا) تصديقا لدعواهم ذلك (الصَّالِحاتِ) أي الأعمال الكاملة في الصلاح بتأسيسها على الإيمان. ولما كان هذا الوصف لا يخص أتباع محمد صلىاللهعليهوسلم ، خصهم بقوله تعالى : (وَآمَنُوا) أي مع ذلك. ولما كان بعضهم كحيي بن أخطب ومن نحا نحوه قد طعن في القرآن بنزوله منجما مع أن التوراة ما نزلت إلا كذلك ، وليس أحد منهم يقدر أن ينكره قال : (بِما نُزِّلَ) أي ممن لا منزل إلا هو منجما مفرقا ليجددوا بعد الإيمان به إجمالا الإيمان بكل نجم منه (عَلى مُحَمَّدٍ) النبي الأمي العربي القرشي المكي ثم المدني الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل صلىاللهعليهوسلم ، ولما كان هذا
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
