معلما بأن كل إيمان لم يقترن بالإيمان به صلىاللهعليهوسلم لم يعتد به ، اعترض بين المبتدأ وجوابه بما يفهم علته حثا عليه وتأكيدا له فقال تعالى : (وَهُوَ) أي هذا الذي نزل عليه صلىاللهعليهوسلم مختص بأنه (الْحَقُ) أي الكامل في الحقية لأن ينسخ ولا ينسخ كائنا (مِنْ رَبِّهِمْ) المحسن إليهم بإرساله ، أما إحسانه إلى أمته فواضح ، وأما سائر الأمم فبكونه هو الشافع فيهم الشفاعة العظمى يوم القيامة ، وأمته هي الشاهدة لهم.
ولما ثبت بهذا أنهم أحق الناس بالحق ، بين ما أثمر لهم ذلك دالا على أنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره ، فلا يسع الخلق إلا العفو لأنهم وإن اجتهدوا في الإصلاح بدا لهم لنقصانهم من سيئات أو هفوات فقال تعالى : (كَفَّرَ) أي غطى تغطية عظيمة (عَنْهُمْ) في الدارين بتوبتهم وإيمانهم لأن التوبة تجب ما كان قبلها كالإيمان (سَيِّئاتِهِمْ) أي الأعمال السيئة التي لحقتهم قبل ذلك بما يظهر لهم من المحاسن وهدى أعمالهم. ولما كان من يعمل سوءا يخاف عاقبته فيتفرق فكره ، إذ لا عيشة لخائف قال تعالى : (وَأَصْلَحَ بالَهُمْ) أي موضع سرهم وفكرهم بالأمن والتوفيق والسداد وقوة الفهم والرشاد لما يوفقهم له من محاسن الأعمال ويطيب به اسمهم في الدارين ، قال ابن برجان : وإذا أصلح ذلك من العبد صلح ما يدخل إليه وما يخرج عنه وما يثبت فيه ، وإذا فسد فبالضد من ذلك ، ولذلك إذا اشتغل البال لم ينتفع من صفات الباطن بشيء ، وقد علم أن الآية من الاحتباك : ذكر ضلال الكفار أولا دليلا على إرادة الهدى للمؤمنين ثانيا ، وإصلاح البال ثانيا دليلا على حذف إفساده أولا.
ولما كان الجزاء من جنس العمل ، علل ما تقدم من فعله بالفريقين بقوله : (ذلِكَ) أي الأمر العظيم الذي ذكر هنا من جزاء الطائفتين (بِأَنَ) أي بسبب أن (الَّذِينَ كَفَرُوا) أي ستروا مرائي عقولهم (اتَّبَعُوا) أي بغاية جهدهم ومعالجتهم لما قادتهم إليه فطرهم الأولى (الْباطِلَ) من العمل الذي لا حقيقة له في الخارج يطابقه ، وذلك هو الابتداع والميل مع الهوى إيثارا للحظوظ فضلوا (وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) أي ولو كانوا في أقل درجات الإيمان (اتَّبَعُوا) أي بغاية جهدهم متابعين لما تدعو إليه الفطرة الأولى مخالفين لنوازع الشهوات ودواعي الحظوظ على كثرتها وقوتها (الْحَقَ) أي الذي له واقع يطابقه وذلك هو الحكمة وهي العمل بموافقة العلم وهو معرفة المعلوم على ما هو عليه (مِنْ رَبِّهِمْ) الذي أحسن إليهم بإيجادهم وما سببه من حسن اعتقادهم فاهتدوا.
ولما علم من هذا أن باطن حال الذين كفروا الباطل ، وباطن حال الذين آمنوا الحق ، وتقدم في البقرة أن المثل هو ما يتحصل في باطن الإدراك من حقائق الأشياء المحسوسة ، فيكون ألطف من الشيء المحسوس ، وأن ذلك هو وجه الشبه ، علم أن مثل كل من الفريقين ما علم من باطن حاله فمثل الأول الباطل ومثل الثاني الحق ،
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
