في القرآن لما عسى أن يدور من دوائر أيام الله ومن أيامه إزالة أهل الكفر تنبيها للمسلمين ليراجعوا أمرهم ويصلحوا ما بينهم وبين ربهم.
ولما كان من قوصص على جنايته في الدنيا ، سقط عنه أمرها في الآخرة ، وكان المسلط للجاني في الحقيقة إنما هو الله تعالى وكان تسليطه إياه لحكم بالغة تظهر غاية الظهور في الآخرة ، علل الأمر بالغفران مهددا للجاني ومسليا للمجني عليه : (لِيَجْزِيَ) أي الله في قراءة الجماعة بالتحتانية والبناء للفاعل ، ونحن بما لنا من العظمة في قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي بالنون ، وبناه أبو جعفر للمفعول فيكون النائب عن الفاعل الخير أو الشر بتقدير حرف الجر لجزائهم في الدنيا وفي الآخرة حيث يظهر الحكم وينجلي الظلم.
ولما كان ربما جوزي جميع الجناة ، وربما عفي عن بعضهم بالتوبة عليه أو غيرها تفضلا لحكم أخرى ويثاب المظلوم على ظلامته لمثل ذلك قال : (قَوْماً) أي من الجناة وإن كانوا في غاية العلو والكبرياء والجبروت ومن المجني عليهم وإن كانوا في غاية الضعف (بِما) أي بسبب الذي (كانُوا) أي في جبلاتهم وأبرزوه إلى الخارج (يَكْسِبُونَ) أي يفعلون على ظن أنه ينفعهم أو بسبب كسبهم من خير أو شر ، والحاصل أنه تعالى يقول : أعرض عمن ظلمك وكل أمره إليّ فإني لا أظلمك ولا أظلم أحدا ، فسوف أجزيك على صبرك أجزيه على بغيه وأنا قادر ، وأفادت قراءة أبي جعفر الإبلاغ في تعظيم الفاعل وأنه معلوم ، وتعظيم ما أقيم مقامه وهو الجزاء بجعله عمدة مسندا إليه لأن عظمته على حسب ما أقيم مقامه ، فالتقدير لكون الفعل يتعدى إلى مفعولين كما قال تعالى (وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً) [الدهر : ١٢] ليجزي الملك الأعظم الجزاء الأعظم من الخير للمؤمن والشر للكافر قوما ، فجعل الجزاء كالفاعل وإن كان مفعولا كما جعل «زيد» فاعلا في مات زيد وإن كان مفعولا في المعنى : تنبيها على عظيم تأثير الفعل فإنه لا انفكاك عنه لأنه يجعل متمكنا من المجزي تمكن المجزي من جزائه ومحيصا به لأن الله تعالى بعظم قدرته يجعل عمل الإنسان نفسه جزاء له ، قال الله تعالى (سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ) [الأنعام : ١٣٩] بما كانوا يعملون ، ويجوز أن يكون النائب عن الفاعل ضمير «الذين» بالنظر إلى لفظه فيكون المعنى : سيجزي الذين آمنوا ناسا كانوا أقوياء على القيام في أذاهم بسبب أذاهم لهم فيجعل كلّا منهم فداء لكل منهم من النار ، وربما رأوا بعض آثار ذلك في الدنيا ، روى مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا ، وما
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
