ماش أبدا إلى ورائه فهو ماش إلى النار بظهره ، ويستعمل ، «وراء» في الأمام ، فيكون حينئذ مجازا عن الإحاطة أي تأخذهم من الجهة التي هم بها عالمون والجهة التي هم بها جاهلون ، فتلقاهم بغاية التجهم والعبوسة والغيظ والكراهة ضد ما كانوا عليه عند العلم بالآيات المرئية والمسموعة من الاستهزاء الملازم للضحك والتمايل بطرا وأشرا ، ومثل ما كانوا عليه عند الملاقاة للمصدقين بتلك الآيات.
ولما كانوا يظهرون الركون إلى ما بأيديهم من الأعراض الفانية ، قال : (وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ) أي في دفع ذلك (ما كَسَبُوا) أي حصلوا من الأمور التي أفادتهم العز الذي أورثهم الاستهزاء (شَيْئاً) أي من إغناء. ولما كان هؤلاء لما هم عليه من العمى يدعون إغناء آلهتهم عنهم ، قال مصرحا بها : (وَلا مَا اتَّخَذُوا) أي كلفوا أنفسهم أي كلفوا أنفسهم بأخذه مخالفين لما دعتهم إليها فطرهم الأولى السليمة من البعد عنها.
ولما كان كفرهم إنما هو الإشراك ، فكانوا يقولون «الله» أيضا ، قال معبرا بما يفهم سفول ما سواه : (مِنْ دُونِ اللهِ) أي أدنى رتبة من رتب الملك الأعظم (أَوْلِياءَ) أي يطمعون في أن يفعلوا معهم ما يفعله القريب من النفع والذب والدفع (وَلَهُمْ) مع عذابهم بخيبة الأمل (عَذابٌ عَظِيمٌ) لا يدع جهة من جهاتهم ولا زمانا من أزمانهم ولا عضوا من أعضائهم إلا ملأه.
ولما أخبر عما لمن أعرض عن الآيات بما هو أجل موعظة وأردع زاجر عن الضلال ، قال مشيرا إلى ما افتتح به الكلام من المتلو الذي هذا منه : (هذا) أي التنزيل المتلو عليكم (هُدىً) أي عظيم جدا بالغ في الهداية كامل فيها ، فالذين اهتدوا بآيات ربهم لأنهم ـ لم يغتروا بالحاضر لكونه زائلا فاستعملوا عقولهم فآمنوا به لهم نعيم مقيم (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) أي ستروا ما دلتهم عليهم مرائي عقولهم به ـ هكذا كان الأصل ، ولكنه نبه على أن كل جملة من جمله ، بل كل كلمة من كلماته دلالة واضحة عليه سبحانه فقال : (بِآياتِ رَبِّهِمْ) أي وهذه التغطية بسبب التكذيب بالعلامات الدالة على وحدانية المحسن إليهم فضلوا عن السبيل لتفريطهم في النظر لغرورهم بالحاضر الفاني (لَهُمْ عَذابٌ) كائن (مِنْ رِجْزٍ) أي عقاب قذر شديد جدا عظيم القلقلة والاضطراب متتابع الحركات ، قال القزاز : الرجز والرجس واحد (أَلِيمٌ) أي بليغ الإيلام ، الآية من الاحتباك : ذكر الهدى أولا دليلا على الضلال ثانيا ، والكفر والعذاب ثانيا دليلا على ضدهما أولا ، وسره أنه ذكر السبب المسعد ترغيبا فيه ، والمشقى ترهيبا منه.
ولما ذكر سبحانه وتعالى صفة الربوبية ، ذكر بعض آثارها وما فيها من آياته ، فقال مستأنفا دالا على عظمتها بالاسم الأعظم : (اللهُ) أي الملك الأعلى المحيط بجميع
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
