ولما كان كأنه قيل : ما للأثيم يأكل هذا الطعام ، وما الحامل له عليه وعلى مقاربة مكانه ، أجيب بأنه مقهور عليه ، يقتضيه صفة العزة فيه الرحمة لإعادته بأن يقال للزبانية : (خُذُوهُ) أي أخذ قهر فلا تدعوه يملك من أمره شيئا (فَاعْتِلُوهُ) أي جروه بقهر بغلظة وعنف وسرعة إلى العذاب والإهانة بحيث يكون كأنه محمول ، وقال الرازي في اللوامع : والعتل أن يأخذ بمجامع ثوبه عند صدره يجره ، وقراءة الضم أدل على تناهي الغلظة والشدة من قراءة الكسر (إِلى سَواءِ) أي وسط (الْجَحِيمِ) أي النار التي هي في غاية الاضطرام والتوقد ، وهي موضع خروج الشجرة التي هي طعامه.
ولما أفهم هذا صار في موضع يحيط به العذاب فيه من جميع الجوانب ، بين أن له نوعا آخر من النكد رتبته في العظمة مما يستحق العطف بأداة التراخي فقال : (ثُمَّ صُبُّوا) أي في جميع الجهة التي هي (فَوْقَ رَأْسِهِ) ليكون المصبوب محيطا بجميع جسمه (مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ) أي العذاب الذي يغلي به الحميم أو الذي هو الحميم نفسه ، والتعبير عنه بالعذاب أهول ، وهذا في مقابلة ما كان لهم من البركة بما ينزل من السماء من المطر ليجتمع لهم حر الظاهر بالحميم والباطن بالزقوم.
ولما علم بهذا أنه لا يملك من أمر نفسه شيئا ، بل وصل إلى غاية الهوان ، دل عليه بالتهكم بما كان يظن في نفسه من العظمة التي كانت يترفع بها في الدنيا على أوامر الله ، فقيل بناء على ما تقديره : يفعل به ذلك مقولا له : (ذُقْ) أي من هذا أوصلك إليه تغررك على أولياء الله. ولما كان أولياء الله من الرسل وأتباعهم يخبرون في الدنيا أنه ـ لإبائه أمر الله ـ هو الذليل ، وكان هذا الأثيم وأتباعه يكذبون بذلك ويؤكدون قولهم المقتضي لعظمته لإحراق أكباد الأولياء حكى له قولهم على ما كانوا يلفظون به زيادة في تعذيبه بالتوبيخ والتقريع معللا للأمر بالذوق : (إِنَّكَ) وأكد بقوله : (أَنْتَ) وحدك دون هؤلاء الذين يخبرون بحقارتك (الْعَزِيزُ) أي الذي يغلب ولا يغلب (الْكَرِيمُ) أي الجامع إلى الجود شرف النفس وعظم الإباء ، فلا تنفعك عن ستر مساوىء الأخلاق بإظهار معاليها فلست بلئيم أي بخيل مهين النفس خسيس الإباء ، فهو كناية عن مخاطبته بالخسة مع إقامة الدليل على ذلك بما هو فيه من المهالك ، وقراءة الكسائي بفتح «إن» دالة على هذا العذاب قولا وفعلا على ما كان يقال له من هذا في الدنيا ويعتقد هو أنه حق.
ولما دل على أنه يقال هذا لكل من الأثماء ويفعل به على حدته ، دل على ما يعمون به ، فقال مؤكدا ردا لتكذيبهم سائقا لهم على وجه مفهم أنه علة ما ذكر من عذابهم : (إِنَّ هذا) أي العذاب قولا وفعلا وحالا (ما كُنْتُمْ) أي جبلة وطبعا طبعناكم عليه لتظهر قدرتنا في أمركم دنيا وأخرى (بِهِ تَمْتَرُونَ) أي تعالجون أنفسكم
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
