ما اقتضاه لطفه بي وإحسانه إليّ (وَرَبِّكُمْ) الذي أعاذني من قتلكم لي بكم على ما دعت إليه حكمته من جبروتكم وتكبركم وقوة مكنتكم (أَنْ تَرْجُمُونِ) أي أن يتجدد في وقت من الأوقات قتل منكم لي ، ما أتيتكم حتى توثقت من ربي في ذلك ، فإني قلت (إني أخاف أن يقتلون) فقال (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا) [القصص : ٣٨] فهو من أعظم آياتي أن لا تصلوا على قوتكم وكثرتكم إلى قتلي منع أنه لا قوة لي بغير الله الذي أرسلني.
ولما كان التقدير : فإن آمنتم بذلك وسلمتم لي أفلحتم ، عطف عليه قوله : (وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي) أي تصدقوا لأجلي ما أخبرتكم به (فَاعْتَزِلُونِ) أي وإن لم تعتزلوني هلكتم ، ولا تقدرون على قتلي بوجه وأنا واحد ممن تسومونهم سوء العذاب ، وما قتلتم أبناءهم إلا من أجلي ، فرباني على كف من ضاقت عليه الأرض بسببي وسفك الدماء في شأني ، ومنعه الله من أن يصل إليّ منه سوء قبل أن أعوذ به ، فكيف به بعد أن أرسلني وعذت به فأعاذني ، واستجرت به فأجارني.
ولما كان التقدير : لم يؤمنوا به ولا لأجله ولم يعتزلوه ، بل بغوا له الغوائل وراموا أن يواقعوا به الدواهي والقواصم ، فلم يقدروا على ذلك وآذوا قومه وطال البلاء ، سبب عنه قوله : (فَدَعا رَبَّهُ) الذي أحسن إليه وضمن له سياسته وسياسة قومه ، ثم فسر ما دعا به بقوله : (أَنَّ هؤُلاءِ) أي الحقيرون الأراذل الذليلون (قَوْمٌ) أي لهم قوة على القيام بما يحاولونه (مُجْرِمُونَ) أي عريقون في قطع ما أمرت به أن يوصل ، وذلك متضمن وصل ما أمرت به أن يقطع ، فكان المعنى : فدعا بهذا المعنى ، ولذلك أتى «بأن» الدالة على المصدرية.
ولما كان ممن يستجيب دعاءه ويكرم نداءه ، سبب عن ذلك قوله : (فَأَسْرِ) أي فقلنا له : سر عامة الليل ـ هذا على قراءة المدنيين وابن كثير بوصل الهمزة وعلى قراءة غيرهم بالقطع المعنى : أوقع السرى وهو السير عامة الليل (بِعِبادِي) الذين هم أهل لإضافتهم إلى جنابي ، قومك الذين أرسلناك لإسعادهم باستنقاذهم ممن يظلمهم وتفريغهم لعبادتي لا لعبادة غيري.
ولما كان سبحانه قد تقدم إلى بني إسرائيل في أن يكونوا متهيئين في الليلة التي أمر بالسرى فيها بحيث لا يكون لأحد منهم عاقة أصلا كما تقدم بيانه في الأعراف عن التوراة ، بين تأكيده لذلك بقوله : (لَيْلاً) فصار تأكيدا بغير اللفظ ، وإنما أمره بالسير في الليل لأنه أوقع بالقبط موت الأبكار ليلا ، فأمر فرعون موسى عليه الصلاة والسّلام أن يخرج بقومه في ذل خوفا من أن يموت القبط.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
