الكتاب بسورة جامعة تتعلق بالفتح الأعظم والفتح السببي : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) مناديا بأداة العبد وإن كان من نزلت بسببه من أهل القرب ، ومعبرا بالماضي إقامة لمن والى الكفار نوع موالاة في ذلك المحل إلهابا له وتهييجا إلى الترفع عنه لئلا يقدح في خصوصيته ويحط من عليّ رتبته مع اللطف به بالتسمية له بالإيمان حيث شهد سبحانه على من فعل نحو فعله مع بني النضير بالنفاق وأحله محل أهل الشقاق ، فحكم على القلوب في الموضعين فقال هناك : (الَّذِينَ نافَقُوا) كما قال هنا : (الَّذِينَ آمَنُوا).
ولما كان قد تقدم في المجادلة النهي الشديد عن إظهار مطلق الموادة للكفار ، وفي الحشر الزجر العظيم عن إبطان ذلك فتكفلت السورتان بالمنع من مصاحبة ودهم ظاهرا أو باطنا ، بكت هنا من اتصف بالإيمان وقرعه ووبخه على السعي في موادتهم والتكلف لتحصيلها ، فإن ذلك قادح في اعتقاد تفرده سبحانه بالعزة والحكمة ، فعبر لذلك بصيغة الافتعال فقال بعد التبكيت بالنداء بأداة البعد والتعبير بأدنى أسنان الإيمان : (لا تَتَّخِذُوا) وزاد في ذلك المعنى من وجهين : التعبير بما منه العداوة تجرئة عليهم وتنفيرا منهم والتوحيد لما يطلق على الجمع لئلا يظن أن المنهي عنه المجموع بقيد الاجتماع والإشارة إلى أنهم في العداوة على قلب واحد ، فأهل الحق أولى بأن يكونوا كذلك في الولاية فقال : (عَدُوِّي) أي وأنتم تدعون موالاتي ومن المشهور أن مصادق العدو أدنى مصادقة لا يكون وليا فيكف بما هو فوق الأدنى وهو فعول من عدى ، وأبلغ في الإيقاظ بقوله : (وَعَدُوَّكُمْ) أي العريق في عداوتكم ما دمتم على مخالفته في الدين.
ولما وحد لأجل ما تقدم من الإشارة إلى اتحاد الكلمة ، بين أن المراد الجمع فقال : (أَوْلِياءَ) ثم استأنف بيان هذا الاتحاد بقوله مشيرا إلى غاية الإسراع والمبادرة إلى ذلك بالتعبير بقوله : (تُلْقُونَ) أي جميع ما هو في حوزتكم مما لا تطمعون فيه إلقاء الشيء الثقيل من علو (إِلَيْهِمْ) على بعدهم منكم حسا ومعنى (بِالْمَوَدَّةِ) أي بسببها. ولما توقع السامع التصريح بمضادتهم في الوصف الذي ناداهم به بعد التلويح إليه ، ملهيا ومهيجا إلى عداوتهم بالتذكير بمخالفهم إياه في الاعتقاد المستلزم لاستصغارهم لأنه أشد المخالفة (وَقَدْ) أي هو الحال أنهم قد (كَفَرُوا) أي غطوا جميع ما لكم من الأدلة (بِما) أي بسبب ما (جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِ) أي الأمر الثابت الكامل في الثبات الذي لا شيء أعظم ثباتا منه ، ثم استأنف بيان كفرهم بما يبعد من مطلق موادتهم فضلا عن السعي فيها بقوله مذكرا لهم بالحال الماضية زيادة في التنفير منهم ومصورا لها بما يدل على الإصرار بأنهم (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ) أي الكامل في الرسلية الذي يجب على كل
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
