في محاسبة نفسه وتفقد ما يمكن أن يكون من الخلل في أعماله أوشك أن يحبط الشيطان أعماله فقال تعالى : (وَاتَّقُوا اللهَ) أي الجامع لجميع صفات الكمال أي اتقوه حياء منه ، فالتقوى الأولى لإيجاد صور الأعمال ، وهذه لتصفيتها وتزكية أرواحها ، ولذلك علل بقوله مرغبا مرهبا : (إِنَّ اللهَ) أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى (خَبِيرٌ) أي عظيم الاطلاع على ظواهركم وبواطنكم والإحاطة (بِما تَعْمَلُونَ) فلا تعملون عملا إلا كان بمرأى منه ومسمع فاستحيوا منه ، وكرر الاسم الأظم كراهية أن يظن تقييد التقوى بحيثية من الحيثيات تعظيما لهذا المقام إعلاما بأن شؤونه لا تنحصر وأن إحاطته لا تخص مقاما دون مقام ولا شأنا سوى شأن.
ولما هز إلى تقواه تارة بالخوف وأخرى بالحياء تأكيدا لها ، وعلل ذلك بما له شعبة من التحذير ، وكان الإنسان لما له من النسيان أحوج إلى التحذير ، قال مؤكدا لشعبته وإيضاحا لأن التقوى الثانية لمحاسبة النفس في تصفية العمل : (وَلا تَكُونُوا) أيها المحتاجون إلى التحذير وهم الذين آمنوا (كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ) أي أعرضوا عن أوامره ونواهيه وتركوها ترك الناسين لمن برزت عنه مع ما له من صفات الجلال والإكرام لما استغواهم به من أمره الشيطان حتى أبعدهم جدا عن العمران (فَأَنْساهُمْ) أي فتسبب عن ذلك أنه أنساهم بما له من الإحاطة بالظواهر والبواطن (أَنْفُسَهُمْ) فلم يقدموا لها ما ينفعها وإن قدموا شيئا كان مشوبا بالمفسدات من الرياء والعجب ، فكانوا ممن قال فيه سبحانه وتعالى (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ) [الغاشية : ٢ ـ ٣ ـ ٤ ـ ٥] لأنهم لم يدعوا بابا من أبواب الفسق فإن رأس الفسق الجهل بالله ، ورأس العلم ومفتاح الحكمة معرفة النفس ، فأعرف الناس بنفسه أعرفهم بربه «من عرف نفسه فقد عرف ربه».
ولما كانت ثمرة ذلك أنهم أضاعوها ـ أي التقوى ـ فهلكوا قال : (أُولئِكَ) أي البعيدون من كل خير (هُمُ) أي خاصة دون غيرهم (الْفاسِقُونَ) أي العريقون في المروق من دائرة الدين.
ولما تم الدليل على أن حزب الله هم المفلحون لما أيدهم به في هذه الحياة الدنيا من النصر والشدة على الأعداء واللين والمعاضدة للأولياء وسائر الأفعال الموصلة إلى جنة المأوى ، وصرح في آخر الدليل بخسران حزب الشيطان فعلم أن لهم مع هذا الهوان عذاب النيران ، وكان المغرور بعد هذا بالدنيا الغافل عن الآخرة لأجل شهوات فانية وحظوظ زائلة عاملا عمل من يعتقد أنه لا فرق بين الشقي بالنار والسعيد بالجنة لتجشمه التجرع لمرارات الأعمال المشتملة عليها ، أشج ذلك قوله منزلا لهم منزلة الجازم بذلك
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
