أرادوا من إلقاء الرحى وغيره من الأذى مكرا منهم ، أدغم في قوله : (شَاقُّوا اللهَ) أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة التامة ، فكانوا في شق غير شقه بأن صاروا في شق الأعداء المحاربين بعد ما كانوا في شق الموادعين.
ولما جارى رسول الله صلىاللهعليهوسلم إخفاءهم لما أرادوا أن يفعلوا به بالإخفاء لخلاصه منهم بأن رجع إلى المدينة الشريفة وترك أصحابه رضي الله عنهم عندهم قال : (وَرَسُولَهُ) الذي إجلاله من إجلاله. ولما أخبر بفعله وبسببه ، عطف عليه تأكيدا لمضمونه وإفادة لأنه يفعل في غيرهم ممن كان على أمرهم أعظم من فعلهم فقال : (وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ) أي يوقع في الباطن مشاققة الملك الأعلى الذي لا كفوء له في الحال أو الماضي أو الاستقبال سواء أبطن معها مشاققة أخرى أو لا ، وترك الإدغام على حاله لأنهم ما أظهروا معاداة وإنما كان ما فعلوا مكرا ومساترة ، وذلك أخف من المجاهرة ، وأظهر في الأنفال لقوة أمر المجاهرين كما مضى ، ولم يعد ذكر الرسول تفخيما له بإفهام أن مشاققته مشاققة لله من غير مثنوية أصلا ، وإشارة إلى أنهم بالغوا في إخفاء مشاققتهم ، فلم يظهر عليها غير الله ، فلم يحصل منهم في ذلك مفاعلة بينهم وبين الرسول صلىاللهعليهوسلم فإنه لم يمكر بهم ، وإنما جاهرهم حين أعلمه الله بمكرهم بخلاف ما تقدم في الأنفال ، فإن المقام اقتضى هناك الذكر لأنهم مكروا به كما قال تعالى (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا) [الأنفال : ٣٠] الآية وهو صلىاللهعليهوسلم أخفى أمر هجرته وأعمل الحيلة في الخلاص من مكرهم على حسب ما أمره الله به فحصلت المفاعلة في تحيز كل من الفريقين إلى شق غير شق الآخرة خفية (فَإِنَّ اللهَ) أي المحيط بجميع العظمة يشدد عقابه له لأنه (شَدِيدُ الْعِقابِ) وذلك كما فعل ببني قريظة بعد هذا حيث نقضوا عهدهم وأظهروا المشاققة في غزوة الأحزاب وكما فعل أهل خيبر ، وكانوا يماكرون ويساترون في الأولى عند فتحها وفي الثانية عند إجلائهم منها ، فقد سوى بين المساترين والمجاهرين في العذاب وهو للمجاهرين أشد عذابا كا هو واضح.
ولما دل سبحانه على عزته وحكمته بما فعل ببني النضير الذين يقولون إنهم أشجع الناس وأشدهم شكيمة بما لهم من الأصالة والاصطفاء على العالمين ، مع التأييد بالكتاب والحكمة ، وختم بأن من شاق رسوله فقد شاقه ، ومن شاقه فقد شدد عقابه ، أتبعه بيان ما عاقبهم به من قطع الصحابة رضي الله عنهم بأمر النبي صلىاللهعليهوسلم لنخلهم الذي هو أعز عليهم من أبكارهم وهم ينظرون إليه لا يغنون شيئا ولا منعة لديهم فقال : (ما) وهي شرطية وأتبعها بشرطها الناصب لها فقال : (قَطَعْتُمْ) أي كل ما قطعتموه ، وبين ما في «ما» من الإبهام بقوله معبرا عن النخل ، بما يفيد نوعه وأنه هان عليهم القطع ولان :
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
