أدخل في الإخلاص من موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه ، بل هو عين الإخلاص ، ومن جنح إلى منحرف عن دينه أو داهن مبتدعا في عقده نزع الله نور التوحيد من قلبه.
ولما أخبر بما آتاهم في الدنيا وهو غير مفارق لهم في الآخرة ، أخبر بما يؤتيهم في الآخرة فقال : (وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ) أي بساتين يستر داخلها من كثرة أشجارها ، وأخبر عن ريها بقوله : (تَجْرِي) ولما كانت المياه لو عمت الأرض لم يكن بها مستقر ، أثبت الجار فقال : (مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) أي فهي لذلك كثيرة الرياض والأشجار والساحات والديار. ولما كان ذلك لا يلذ إلا بالدوام قال : (خالِدِينَ فِيها).
ولما كان ذلك لا يتم إلا برضا مالكها قال : (رَضِيَ اللهُ) أي الملك الأعظم الذي له الأمر كله فلا التفات إلى غيره (عَنْهُمْ) ولما كان ذلك لا يكمل سروره إلا برضاهم ليتم حسن المجاورة قال : (وَرَضُوا عَنْهُ) أي لأنه أعطاهم فوق ما يؤملون. ولما أخبر عنهم بما يسر كل سامع فيشتاق إلى مصاحبتهم ومعاشرتهم ومرافقتهم ومقاربتهم ومدحهم وعرفهم بقوله : (أُولئِكَ) أي الذين هم في الدرجة العليا من العظمة لكونهم قصروا ودهم على الله علما منهم بأنه ليس النفع والضر إلا بيده (حِزْبُ اللهِ) أي جند الملك الأعلى الذي أحاط بجميع صفات الكمال وأولياءه ، فإنهم هم يغضبون له ولا يخافون فيه لومة لائم. ولما تبين مما أعد لهم وأعد لأضدادهم أنهم المختصون بكل خير ، قال على طريق الإنتاج مما مضى مؤكدا لما لأضدادهم من الأنكاد : (أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ) أي جند الملك الأعلى وهم هؤلاء الموصوفون ومن والاهم (هُمُ) أي خاصة لا غيرهم (الْمُفْلِحُونَ) أي الذين حازوا الظفر بكل ما يؤملون في الدارين ، وقد علم من الرضى من الجانبين والحزبية والإفلاح عدم الانفكاك عن السعادة فأغنى ذلك عن تقييد الخلود بالتأييد ، خصهم بذلك لأن له العزة والقوة والعلم والحكمة ، فلذلك علم أمر المجادلة ورحم شكواها لأنها من حزبه وسمع لها ، ومن سمع له فهو مرضي عنه ، وحرم الظهار بسبب شكواها إكراما لها بحكمته لأنه منابذ للحكمة لأنه تشبيه خارج عن قاعدة التشبيهات ، وفيه امتهان للأم التي لها في دينه غاية الإكرام بالتسوية بالزوجة التي هي محل الافتراش ، وختم آيها بأن من تعدى حدوده فعاود أحوال الجاهلية فهو مجادله سبحانه فهو من حزب الشيطان ، فقد عاد آخرها إلى أولها بأدل دليل على أحسن سبيل ، لأن هذا القرآن العظيم أشرف حديث وأقوم قيل وهذا مقصود التي بعدها ، ولا شك أنه موجب للتنزيه مبعد عن التشريك والتشبيه ، فسبحان من أنزله آية دائمة البيان ، موجبة للإيمان ، قامعة للطغيان ، على مدى الدهور وتطاول الأزمان.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
