كانوا أربعة دام الأنس بينهم ثم لا يكمل إلا بخامس يحفظ الاجتماع إذا عرضت لأحد الاثنين حاجة قال : (وَلا خَمْسَةٍ) أي من نجواهم (إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ) كذلك ، فالحاصل أنه ما يكون من وتر إلا كان هو سبحانه شافع وتريته ، وأما وتريته هو سبحانه فقد كانت ولا شيء معها أصلا ، وستكون ولا حي معها ، فلا وتر في الوجود على الحقيقة غيره.
ولما علم بالتكرير أن ما ذكر على سبيل المثال لا لمعنى يخصه من جهة بالعلم ، عم بقوله : (وَلا أَدْنى) فبدأ بالقليل لأنه قبل الكثير وهو أخفى منه (مِنْ ذلِكَ) أي الذي ذكر وهو الواحد والاثنان والأربعة الذي بعيد عن رتبته وإن كان قد شرفه سبحانه بإطلاق معيته بعد أن لا نسبة له منها.
ولما كان العلم بالكثير أعسر من أجل انتشاره قال : (وَلا) أي يكون من نجوى (أَكْثَرَ) أي من ذلك كالستة فما فوقها لا إلى نهاية ـ هذا التقدير على قراءة الجماعة بالجر بفتحة الراء ورفع يعقوب على محل من (نَجْوى إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ) أي يعلم ما يجري منهم وبينهم ، ويلزم من إحاطة علمه إحاطة قدرته كما تقدم في طه لتكمل شهادته.
ولما كان العموم في المكان يستلزم العموم في الزمان ، وكان المكان أظهر في الحس قال : (أَيْنَ ما) أي في أيّ مكان (كانُوا) فإنه لا مسافة بينه وبين شيء من الأشياء لأنه الذي خلق المسافة ، وعلمه بالأشياء ليس لقرب مكان حتى يتفاوت باختلاف الأمكنة ولا بسبب من الأسباب غير وجوده على ما هو عليه من صفات الكمال ، قال الرازي : ما فارق الأكوان الحق ولا قارنها ، كيف يفارقها وهو موجدها وحافظها ومظهرها ، وكيف يقارن الحدث القدم وهو به قوام الكل ، وهو القيوم على الكل ـ انتهى. والحاصل أنه سبحانه لا يخفى عليه شيء من العالم وإن بلغ في دقته إلى ما لا ينقسم ، وهو شاهد لذلك كله حفظا وعلما وإحاطة وحضورا ، وآية ذلك في خلقه أن جملة الجسم يحيا بالروح ، فلا يبقى جزء منه إلا وهو محفوظ بالروح يحس بسببها وهو سبحانه لا يحجب علمه ولا شيئا من صفاته حجاب ، فقد صحت المعية وهو بحيث لا يحويه المكان ولا يحصره العد ، يقبض المخلوق ويبسطه ، لا يصعد المخلوق ولا صفته ولا فعله ولا معنى من معانيه إلى صفة من صفاته ، إنما له من المكان المكانة ، ومن العلم العلا ، ومن الأسماء والصفات متقضاها ـ أشار إلى ذلك ابن برجان وقال : ومن تدبر ما قرأه وتفهم ما تعلمه أدرك من التحقيق ما نحن بسبيل تبيانه ما قدر له ، ألا ترى إلى الجن أين مكانهم وإن كانوا موصوفين به ثم الملائكة أرفع قدرا ومكانة ، بل إن الروح من جميع الجملة التي تحمله ، به حييت وبه تدبيرها وبه قيامها بإذن الله خالقه ،
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
