لئلا يأتوا إلى موضع هذا العذاب ، قال له إبراهيم : عندهم موسى والأنبياء فليسمعوا منهم ، فقال له : يا أبتاه إبراهيم! إن لم يمض إليهم واحد من الأموات ما يتوبون؟ فقال له : إن كانوا لا يسمعون من موسى والأنبياء فليس إن قام واحد من الأموات يصدقونه ، وقال لتلاميذه : سوف تأتي الشكوك والويل ، الذي تأتي الشكوك من قبله خير له لو علق حجر رحى الحماز في عنقه ويطرح في البحر من أن يشكك أحدا من هؤلاء الضعفاء ـ والله أعلم.
ولما كان الطريق الواضح القديم موجبا للاجتماع عليه ، والوفاق عند سلوكه ، بين أنهم سببوا عنه بهذا الوعظ غير ما يليق بهما بقوله : (فَاخْتَلَفَ) وبين أنهم أكثروا الاختلاف بقوله : (الْأَحْزابُ) أي إنهم لم يكونوا فرقتين فقط ، بل فرقا كثيرة. ولما كانت العادة أن يكون الخلاف بين أمتين وقبيلتين ونحو ذلك ، وكان اختلاف الفرقة الواحدة عجبا ، بين أنهم من أهل القسم فقال : (مِنْ بَيْنِهِمْ) أي اختلافا ناشئا ابتدأ من بين بني إسرائيل الذين جعلناهم مثلا لهم ، وقال لهم : قد جئتكم بالحكمة ، فسبب عن اختلافهم قوله : (فَوَيْلٌ) وكان أن يقال : لهم ، ولكنه ذكر الوصف الموجب للويل تعميما وتعليقا للحكم به. ولما كان في سياق الحكمة ، وهو وضع الشيء في أتقن مواضعه ، جعل الوصف الظلم الذي أدى إليه الاختلاف فقال : (لِلَّذِينَ ظَلَمُوا) أي وضعوا الشيء في غير موضعه مضادة لما أتاهم صلىاللهعليهوسلم به من الحكمة (مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ) أي مؤلم ، وإذا كان اليوم مؤلما فما الظن بعذابه.
ولما عم الظالمين بالوعيد بذلك اليوم فدخل فيه قريش وغيرهم ، أتبعه ما هو كالتعليل مبرزا له في سياق الاستفهام لأنه أهول فقال : (هَلْ) وجرد الفعل إشارة إلى شدة القرب حتى كأنه بمرأى فقال : (يَنْظُرُونَ) أي ينتظرون (إِلَّا السَّاعَةَ) أي ساعة الموت العام والبعث والقيام ، فإن ذلك لتحقق أمره كأنه موجود منظور إليه.
ولما قدم الساعة تهويلا تنبيها على أنها لشدة ظهور دلائلها كأنها مرئية بالعين هزا لهم إلى تقليب أبصارهم لتطلب رؤيتها ، أبدل منها زيادة في التهويل قوله تعالى : (أَنْ تَأْتِيَهُمْ) وحقق احتمال رؤيتها بقوله : (بَغْتَةً) ولما كان البعث قد يطلق على ما يجهل من بعض الوجوه ، أزال هذا الاحتمال بقوله : (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) أي لا يحصل لهم بعين الوقت الذي يجيء نوع من أنواع العلم ، ولا بما كالشعرة منه.
ولما كانت الساعة تطلق على الحبس بالموت وعلى النشر بالحياة ، بين ما يكون في الثاني الذي هم له منكرون من أحوال المبعوثين على طريق الاستئناف في جواب من يقول : هل يقومون على ما هم عليه الآن؟ فقال : (الْأَخِلَّاءُ) أي في الدار (يَوْمَئِذٍ) أي
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
