أي يا من آمن بلسانه (أَنَّ اللهَ) أي الملك الأعظم الذي له الكمال كله فلا يعجزه شيء (يُحْيِ) أي على سبيل التجديد والاستمرار كما تشاهدونه (الْأَرْضَ) اليابسة بالنبات. ولما كان هذا الوصف ثابتا دائما بالفعل وبالقوة أخرى ، وكان الجار هنا مقتضيا للتعميم قال : (بَعْدَ مَوْتِها) من غير ذكر الجارّ وكما أنه يحييها فيخرج بها النبات بعد أن كان قد تفتت وصار ترابا فكذلك يحيي بجمع أجسامهم وإفاضة الأرواح عليها كما فعل بالنبات وكما فعل بالأجسام أول مرة سواء ، لا فرق بوجه إلا بأن يقال : الابتداء أصعب في العادة ، فاحذروا سطوته واخشوا غضبه وارجوا رحمته لإحياء القلوب ، فإنه قادر على إحيائها بروح الوحي كما أحيا الأرض بروح الماء لتصير بإحيائها بالذكر خاشعة بعد قسوتها كما صارت الأرض بالماء رابية بعد خشوعها وموتها.
ولما انكشف الأمر بهذا غاية الانكشاف ، أنتج قوله : (قَدْ بَيَّنَّا) أي على ما لنا من العظمة ، ولما كان العرب يفهمون من لسانهم ما لا يفهم غيرهم فكانوا يعرفون ـ من إعجاز القرآن بكثرة فوائده وجلالة مقاصده ودقة مسالكه وعظمة مداركه ، وجزالة تراكيبه ومتانة أساليبه وغير ذلك من شؤونه وأنواعه وفنونه ، المنتج لتحقق أنه كلام الله ـ ما لا يعلمه غيرهم فكأنما كانوا مخصوصين بهذا البيان ، فقدم الجارّ فقال : (لَكُمُ الْآياتِ) أي العلامات المنيرات. ولما كان السياق للبعث ، وكان من دعائم أصول الدين ، وكان العقل كافيا في قياسه على النبات ، وكان الفعل الذي لا يعود إلى سعادة الآخرة ناقصا» ، وكان العقل الذي لا ينجي صاحبه مساويا للعدم ، قال معبرا بأداة التراخي بخلاف ما سبق في آل عمران فإنه من مصالح النفس التي اختفت ، ودواع تدعو إلى فهمها ، وتبعث إلى إتقان علمها (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أي لتكونوا عند من يعلم ذلك ويسمعه من الخلائق على رجاء من حصول العقل لكم بما يتجدد لكم من فهمه على سبيل التواصل الدار بالاستمرار.
(إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩) اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠))
ولما كانت الصدقة كالبذر الذي تقدم أن الله تعالى يحييه ويضاعفه أضعافا كثيرة
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
