ولما كان من ظهر لشيء بطن عن غيره ، ومن بطن لشيء غاب عنه علمه ، وكان سبحانه في ظهوره على ذلك بمعنى أنه ليس فوقه شيء ، وفي بطونه بحيث ليس دونه شيء ، فقد جمعت الأوصاف إحاطة العلم والقدرة ، أعلم نتيجة ذلك فقال : (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أي لكون الأشياء عنده على حد سواء ، والبطون والظهور إنما هو بالنسبة إلى الخلق ، وأما هو سبحانه فلا باطن من الخلق عنده بل هو في غاية الظهور لديه لأنه الذي أوجدهم ، وهذا معنى ما قال البغوي رحمهالله تعالى : سأل عمر رضي الله عنه كعبا عن هذه الآية فقال : معناها أن علمه بالأول كعلمه بالآخر ، وعلمه بالظاهر كعلمه بالباطن ـ انتهى. لأن العلم يستلزم القدرة على حسبه. ولما كان الصانع للشيء عالما به ، دل على علمه وما تقدم من وصفه بقوله : (هُوَ) أي وحده (الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ) وجمعها لعلم العرب بتعددها (وَالْأَرْضَ) أي الجنس الشامل للكل ، أفردها لعدم توصلهم إلى العلم بتعددها (فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) سنا للتأني وتقريرا للأيام التي أوترها سابعها الذي خلق فيه الإنسان الذي دل خلقه باسمه (الْجُمُعَةِ) على أنه المقصود بالذات وبأنه السابع على أنه نهاية المخلوقات ـ انتهى.
ولما كان تمكن الملك من سرير الملك كناية عن انفراده بالتدبير وإحاطة قدرته وعلمه ، وكان ذلك هو روح الملك ، دل عليه منبها على عظمته بأداة التراخي فقال : (ثُمَّ اسْتَوى) أي أوجد السواء وهو العدل إيجاد من هو شديد العناية (عَلَى الْعَرْشِ) المحيط بجميع الموجودات بالتدبير المحكم للعرش وما دونه ومن دونه ليتصور للعباد أن العرش منشأ التدبير ، ومظهر التقدير ، كما يقال في ملوكنا : جلس فلان على سرير الملك ، بمعنى أنه انفرد بالتدبير ، وقد لا يكون هناك سرير فضلا عن جلوس.
ولما كان المراد بالاستواء الانفراد بالتدبير ، وكان التدبير لا يصح إلا بالعلم والقدرة ، كشفه بقوله دالّا على أن علمه بالخفايا كعلمه بالجلايا : (يَعْلَمُ ما يَلِجُ) أي يدخل دخولا يغيب به (فِي الْأَرْضِ) أي من النبات وغيره من أجزاء الأموات وغيرها وإن كان ذلك بعيدا من العرش ، فإن الأماكن كلها بالنسبة إليه على حد سواء في القرب والبعد (وَما يَخْرُجُ مِنْها) كذلك ، وفي التعبير بالمضارع دلالة على ما أودع في الخافقين من القوى فصار بحيث يتجدد منهما ذلك بخلقه تجدد استمرار إلى حين خرابهما.
ولما قرر ذلك فيما قد يتوهم بعده لبعده عن العرش بسفوله تنبيها على التنزه عن التحيز فكان أولى بالتقديم ، أتبعه قسيمه وهو جهة العلو تعميما للعمل بسائر الخلق فقال : (وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ) ولم يجمع لأن المقصود حاصل بالواحدة مع إفهام التعبير بها الجنس السافل للكل ، وذلك من الوحي والأمطار والحر والبرد وغيرها من الأعيان
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
