خفاء به ، ثم اتبع بقوله تعالى (أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ) [الواقعة : ٥٨] الآيات إلى قوله (وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ) [الواقعة : ٧٣] فعزروا ووبخوا على سوء جهلهم وقبح ضلالهم ، ثم قال سبحانه وتعالى بعد ذلك أبهذا (الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ) [الواقعة : ٨١] واستمر توبيخهم إلى قوله : (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) [الواقعة ٨٧] فلما أشارت هذه الآيات إلى قبائح مرتكباتهم ، أعقب تعالى ذلك تنزيهه عزوجل عن سوء ما انتحلوه وضلالهم فيما جهلوه فقال تعالى (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ) [الواقعة : ٦٩] أي نزهه عن عظيم ضلالهم وسوء اجترائهم ، ثم أعقب ذلك بقوله (سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي سبح باسم ربك ، فهي سنة العالم بأسرهم (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [آل عمران : ٨٣] (سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ثم أتبع ذلك بقوله : (لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ) فبين تعالى انفراده بصفة الجلال ونعوت الكمال ، وأنه المتفرد بالملك والحمد وأنه الأول والآخر والظاهر والباطن إلى قوله : (وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) فتضمنت هذه الآيات إرغام من أشير إلى حاله في الآية المتقدمة من سورة الواقعة وقطع ضلالهم والتعريف بما جهلوه من صفاته العلى وأسمائه الحسنى جل وتعالى ، وافتتحت آي السورتين واتصلت معانيها ثم صرف الخطاب إلى عباده المؤمنين فقال تعالى (آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) واستمرت الآي على خطابهم إلى آخر السورة ـ انتهى.
ولما أخبر بذلك ، دل على وجه مصرح بما أفهمه الأول من تسبيح السماوات والأرض بقوله : (لَهُ) أي وحده (مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي وملك ما فيهما وما بينهما ظاهرا وباطنا ، فالملك الظاهر ما هو الآن موجود في الدنيا من أرض مدحية وسماء مبنية وكواكب مضية وأفلاك علية ورياح محسوسة وسحاب مرئية ـ وما تفصل إلى ذلك من خلق وأمر ، والملك الباطن الغائب عنا ، وأعظمه المضاف إلى الآخرة وهو الملكوت ، قال القشيري : الملك مبالغة من الملك يعني بدلالة الضمة ، قال ، والملك بالكسر أي القدرة على الإبداع فلا مالك إلا الله ، وإذا قيل لغيره : مالك ، فعلى المجاز بالأحكام المتعلقة في الشريعة على ملك الناس أي بتصحيحه أو إفساده ونحوه ذلك ، فالآية من الاحتباك : ذكر ما بين السماوات والأرض أولا دليلا على حذف ما بينهما ثانيا ، وذكر الخافقين ثانيا دليلا على حذف مثل ذلك أولا ليكون التسبيح والملك شاملا للكل.
ولما كان ذلك مما لا نزاع فيه ، وكان ربما عاند معاند ، دل عليه بما لا مطمع فيه لغيره فقال مقدما الإحياء لأنه كذلك في الخارج ولأن زمن الحياة أكثر لأن البعث حياة دائمة لا موت بعدها : (يُحْيِي) أي له صفة الإحياء فيحيي ما يشاء من الخلق بأن يوجده على صفة الإحياء كيف شاء في أطوار يتقلبها كيف شاء وكيف يشاء ومما يشاء
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
