التنعم ، قال الكسائي : هو من الأضداد ، تقول العرب : تفكهت أي تنعمت ، وتفكهت ، أي حزنت ، بين المراد بقوله حكاية لتفكههم : (إِنَّا) وأكد إعلاما بشدة بأسهم فقال : (لَمُغْرَمُونَ) أي مولع بنا وملازمون بشر دائم وعذاب وهلاك لهلاك رزقنا ، أو مكرمون بغرامة ما أنفقنا ولم ينتفع به ، وقراءة أبي بكر عن عاصم بالاستفهام لإنكار هذا الواقع والاستعظام له والتعجب منه ، وهي منبهة على أنهم لشدة اضطرابهم من ذلك الحادث مذبذبون تارة يجزمون باليأس والشر وتارة يشكون فيه وينسبون الأمر إلى سوء تصرفهم ، وعليه يدل إضرابهم : (بَلْ نَحْنُ) أي خاصة (مَحْرُومُونَ) أي حرمنا غيرنا وهو من لا يرد قضاؤه ، فلا حظ لنا في الاكتساب ، فلو كان الزارع ممن له حظ لأفلح زرعه ، قال في القاموس : الغرام : الولوع والشر الدائم والهلاك والعذاب ، والغرامة ما يلزم أداؤه ، وحرمه : منعه ، والمحروم ، الممنوع عن الخير ومن لا ينمى له مال والمحارف ـ أي بفتح الراء ـ وهو الممنوع من الخير الذي لا يكاد يكتسب ، وقال الأصبهاني في تفسيره : والمحروم ضد المرزوق ، أي والمرزوق المجرود بالجيم وهو المحظوظ.
ولما وقفهم على قدرته في الزرع مع وجود أسبابه ، وقدمهم بشدة إليه ، وكان ربما ألبس نوع لبس لأن لهم فيه سببا في الجملة ، أتبعه التوقيف على قدرته على التصرف في سببه الذي هو الماء الذي لا سبب لهم في شيء من أمره أصلا ، فقال مسببا عما أفادهم هذا التنبيه مذكرا بنعمة الشرب الذي يحوج إليه الغذاء : (أَفَرَأَيْتُمُ) أي أخبروني هل رأيتم بالبصر أو البصيرة ما نبهنا عليه مما مضى في المطعم وغيره ، أفرأيتم (الْماءَ) ولما كان منه ما لا يشرب ، وكانت النعمة في المشروب أعظم ، قال واصفا له بما أغنى عن وصفه بالعذوبة ، وبين موضع النعمة التي لا محيد عنها فقال : (الَّذِي تَشْرَبُونَ) ولما كان عنصره في جهة العلو ، قال منكرا عليهم مقررا لهم : (أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ) ولما كان الإنزال قد يطلق على مجرد إيجاد الشيء النفيس ، وكان السحاب من عادته المرور مع الريح لا يكاد يثبت ، عبر بقوله تحقيقا لجهة العلو وتوقيفا على موضع النعمة في إثباته إلى أن يتم حصول النفع به : (مِنَ الْمُزْنِ) أي السحاب المملوء الممدوح الذي شأنه الإسراع في المضي ، وقال الأصبهاني : وقيل : السحاب الأبيض خاصة ، وهو أعذب ماء (أَمْ نَحْنُ) أي خاصة ، وأكد بذكر الخبر وهو لا يحتاج إلى ذكره في أصل المعنى فقال : (الْمُنْزِلُونَ) أي له ، رحمة لكم وإحسانا إليكم بتطييب عيشكم على ما لنا من مقام العظمة الذي شأنه الكبر والجبروت وعدم المبالاة بشيء ، والآية من الاحتباك بمثل ما مضى في الآيتين السابقتين سواء.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
