(جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً (٢٦) وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤))
ولما أبلغ في وصف جزائهم بالحسن والصفاء ، دل على أن أعمالهم كانت كذلك لأن الجزاء من جنس العمل فقال تعالى : (جَزاءً) أي فعل لهم ذلك لأجل الجزاء (بِما كانُوا) جبلة وطبعا (يَعْمَلُونَ) أي يجددون عمله على جهة الاستمرار.
ولما أثبت لها الكمال وجعله لهم ، نفى عنها النقص فقال : (لا يَسْمَعُونَ) أي على حال من الأحوال (فِيها لَغْواً) أي شيئا مما لا ينفع فإن أنكأ ... بالسميع الحكيم ذلك ، واللغو : الساقط (وَلا تَأْثِيماً) أي ما يحصل به الإثم أو النسبة إلى الإثم ، بل حركاتهم وسكناتهم كلها رضى الله ، وما قطع قلوب السائرين إلى الله إلا هاتان الخصلتان بينا أحدهم يبني ما ينفعه مجتهدا في البناء إذ هو غلبه طبعه فهدم أكثر ما بنى ، وبينا هو يظن أنه قد قرب إذا هو تحقق بمثل ذلك أنه قد بعد ، نزحت داره وشط مزاره ، فالله المستعان.
ولما كان الاستثناء ، معيار العموم ، ساق بصورة الاستثناء قوله : (إِلَّا قِيلاً) أي هو في غاية اللطافة والرقة بما دل عليه المبني على ما قبلها محاسن مع ما تدل عليه مادة قوله. ولما تشوف السامع إليه بالتعبير بما ذكر ، بينه بقوله : (سَلاماً) ودل على دوامه بتكريره فقال : (سَلاماً) أي لا يخطر في النفس ولا يظهر في الحس منهم قول إلا دالّا على السلامة لأنه لا عطب فيها أصلا ، وساقه مساق الاستثناء المتصل دلالة على أنه إن كان فيها لغو فهو ذلك حسب ، وهو ما يؤمنهم وينعمهم ويبشرهم مع أنه دال على حسن العشرة وجميل الصحبة وتهذيب الأخلاق وصفاء المودة.
ولما أتم سبحانه القسم الأول القلبي السوائي المولي من الثلاثة بقسميه ، وذكر في جزائه مما لأصحاب المدن ما لا يمكنهم الوصول إليه ، عطف عليه الثاني الذي هو دونه لذلك وهم والله أعلم الأبرار وهم أيضا صنفان ، وذكر في جزائهم من جنس ما لأهل البوادي أنهى ما يتصورونه ويتمنونه فقال : (وَأَصْحابُ الْيَمِينِ) ثم فخم أمرهم وأعلى مدحهم لتعظيم جزائهم ، والإشارة إلى أنهم أهل لأن يسأل عن حالهم فإنهم في غاية الإعجاب فقال : (ما أَصْحابُ الْيَمِينِ) ولما عبر عنهم بما أفهم أنهم أولو القوة والجد في الأعمال ، والبركة في جميع الأحوال ، ذكر عيشهم بادئا بالفاكهة لأن عيش الجنة كله تفكه ، ذاكرا منها ما ينبت في بلاد العرب من غير كلفة بغرس ولا خدمة ، وأشار إلى
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
