يكون أو يذكر مع صنف آخر زوج. ولما قسمهم إلى ثلاثة أقسام وفرع تقسيمهم ، ذكر أحوالهم وابتدأ ذلك بالإعلام بأنه ليس الخبر كالخبر كما أنه ليس العين كالأثر فقال : (فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ) أي جهة اليمين وموضعها وأعمالها ، ثم فخم أمرهم بالتعجيب من حالهم بقوله منبها على أنهم أهل لأن يسأل عنهم فيما يفهمه اليمين من الخير والبركة فكيف إذا عبر عنها بصيغة مبالغة فقال : (ما) وهو مبتدأ ثان (أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ) أي جهة اليمين وموضعها وأعمالها ، والجملة خبر عن الأولى ، والرابط تكرار المبتدأ بلفظه ، قال أبو حيان رحمهالله تعالى : وأكثر ما يكون ذلك في موضع التهويل والتعظيم.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تقدم الإعذار في السورتين المتقدمتين والتقرير على عظيم البراهين ، وأعلم في آخر سورة القمر أن كل واقع في العالم فبقضائه سبحانه وقدره (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) [القمر : ٤٩] (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ) [القمر : ٥٢] وأعلمهم سبحانه في الواقعة بانقسامهم الأخروي فافتتح ذكر الساعة (إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ) إلى قوله (وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً) فتجردت هذه السورة للتعريف بأحوالهم الأخروية ، وصدرت بذلك كما جرد في هذه السورة قبل التعريف بحالهم في هذه الدار ، وما انجر في السور الثلاث جاريا على غير هذا الأسلوب فبحكم استدعاء الترغيب والترهيب لطفا بالعباد ورحمة ومطالعها مبنية على ما ذكرته تصريحا لا تلويحا ، وعلى الاستيفاء لا بالإشارة والإيماء ، ولهذا قال تعالى في آخر القصص الأخراوية في هذه السورة : (هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ) فأخبر أن هذا حالهم يوم الجزاء وقد قدم حالهم الدنياوي في السورتين قبل وتأكيد التعريف المتقدم فيما بعد ، وذلك قوله (فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ) إلى خاتمتها ـ انتهى.
ولما ذكر الناجين بقسميهم ، أتبعهم أضدادهم فقال : (وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ) أي جهة الشؤم وموضعها وأعمالها ، ثم عظم ذنبهم فقال : (ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ) أي لأنهم أهل لأن يسأل عما أصابهم من الشؤم والشر والسوء بعظيم قدرته التي ساقتهم إلى ما وصلوا إليه من الجزاء الذي لا يفعله بنفسه عاقل بل ولا بهيمة مع ما ركب فيهم من العقول الصحيحة والأفكار العظيمة وصان الأولين عن خذلان هؤلاء فأوصلهم إلى النعيم المقيم.
ولما ذكر القسمين ، وكان كل منهما قسمين ، ذكر أعلى أهل القسم الأول ترغيبا في أحسن حالهم ولم يقسم أهل المشأمة ترهيبا من سوء مآلهم فقال : (وَالسَّابِقُونَ) أي إلى أعمال الطاعة أصحاب الجنتين الأوليين في الرحمن وهم أصحاب القلب (السَّابِقُونَ) أي هم الذين يستحقون الوصف بالسبق لا غيرهم لأنه منزلة أعلى من
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
