(تُكَذِّبانِ) أبنعمة السمع من فوق أو غيرها ، ألم يكن لكم فيما شهدتموه في الدنيا من دلائل ذلك وآياته ما يوجب لكم الإيمان. ولما كان هذا مما لم تجر عادة بعمومه وإن استطردت بجريانه منه في أشياء منه في أماكن متفرقة كأشخاص كثيرة ، بين لهم وقته بقوله : (فَإِذَا) أي فيتسبب عن هذا الإرسال أنه إذا (انْشَقَّتِ السَّماءُ) من هوله وعظمته فكانت أبوابا لنزول الملائكة وغيرهم ، وغير ذلك من آيات الله (فَكانَتْ) لما يصيبها من الحر (وَرْدَةً) أي حمراء مشرقة من شدة لهيبه ، وقال البغوي : كلون الفرس الورد وهو الأبيض الذي يضرب إلى حمرة وصفرة. (كَالدِّهانِ) أي ذائبة صافية كالشيء الذي يدهن به أو كالأديم الأحمر والمكان الزلق ، وآية ذلك في الدنيا الشفقان عند الطلوع وعند الغروب ، وجواب (إذا) محذوف تقديره : علمتم ذلك علما شهوديا ، أو فما أعظم الهول حينئذ ونحو ذا أن يكون الجواب شيئا دلت عليه الآيات الآتية نحو : فلا يسأل أحد إذ ذاك عن ذنبه ، وحذفه أفخم ليذهب الوهم فيه كل مذهب.
ولما كان حفظ السماء عن مثل ذلك بتأخير إرسال هذا وغيره من الأسباب وجعلها محل الروح والحياة والرزق من أعظم الفواضل قال مسببا عنه : (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما) أي المربي لكما هذا التدبير المتقن (تُكَذِّبانِ) أبنعمة السمع من تحت أو غيرها وليس شيء بما أخبرتكم به من أحوال الآخرة إلا قد أقمت لكم في الدنيا ما تهتدون به إلى العلم بكونه. ولما كان يوم القيامة ذا ألوان كثيرة ومواقف مهولة طويلة شهيرة تكون في كل منها شؤون عظيمة وأمور كبيرة ، ذكر بعض ما سببه هذا الوقت من التعريف بالعاصي والطائع بآيات جعلها الله سببا في علمها فقال : (فَيَوْمَئِذٍ) أي فسبب عن يوم انشقت السماء لأنه (لا يُسْئَلُ) سؤال تعرف واستعلام بل سؤال تقريع وتوبيخ وكلام ، وذلك أنه لا يقال له : هل فعلت كذا؟ بل يقال له : لم فعلت كذا ، على أنه ذلك اليوم طويل ، وهو ذو ألوان تارة يسأل فيه وتارة لا يسأل ، والأمر في غاية الشدة ، وكل لون من تلك الألوان يسمى يوما ، فقد مضى في الفاتحة أن اليوم عبارة عن وقت يمتد إلى انقضاء أمر مقدر فيه ظاهر من ليل أو نهار أو غيرهما لقوله تعالى (إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ) [القيامة : ٣٠] أي يوم إذا بلغت الروح التراقي وهو لا يختص بليل ولا نهار ، وبناه للمفعول تعظيما للأمر بالإشارة إلى أن شأن المعترف بالذنب لا يكون خاصا بعهد دون عهد بل يعرفه كل من أراد علمه ، وأضمر قبل الذكر لما هو مقدم في الرتبة ليفهم الاختصاص فوجد الضمير لأجل اللفظ فقال : (عَنْ ذَنْبِهِ) أي خاصة وقد سئل المحسن عن حسنته سؤال تشريف له وتنديم لمن دونه.
ولما كان الإنس أعظم مقصود بهذا ، ولهذا كان الرسول صلىاللهعليهوسلم منهم ، وكان التعريف
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
