أي أخبرهم إخبارا عظيما بأمر عظيم ، وهو أن الماء الذي يشربونه وهو ماء بئرهم (أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ) أي بين ثمود وبين الناقة ، غلب عليها ضمير من يعقل ، يعني إذا بعثناها كان لهم يوم لا تشاركهم فيه في الماء ، ولها يوم لا تدع في البئر قطرة يأخذها أحد منهم ، وتوسع الكل بدل الماء لبنا. ولما أخبر بتوزيع الماء ، أعلم أنه على وجه غريب بقوله استئنافا : (كُلُّ شِرْبٍ) أي من ذلك وحظ منه ومورد البرو وقت يشرب فيه (مُحْتَضَرٌ) أي أهل لما فيه من الأمر العجيب أن يحضره الحاضرون حضورا عظيما ، وتتكلف أنفسهم لذلك لأنه صار في كثرته وحسنه كماء الحاضرة للبادية وتأهل لأن تعارضه حاضروه من حسنه ويرجعوا إليه وأن يجتمع عليه الكثير ويعودوا أنفسهم عليه.
ولما كان التقدير : فكان الأمر كما ذكرنا ، واستمر الأمد الذي ضربنا فافتتنوا كما أخبرنا (فَنادَوْا) بسبب الفتنة (صاحِبَهُمْ) قذار بن سالف الذي انتدبوه بطرا وأشرا لقتل الناقة وكذبنا فيها بوعدهم الإيمان وإكرامها بالإحسان وهو أشقى الأولين (فَتَعاطى) أي أوقع بسبب ندائهم التعاطي الذي لا تعاطي مثله ، فتناول ما لا يحق له أن يتناوله بسبب الناقة وهو سيفه بيده قائما في الأمر الناشىء عن هذا الأخذ على كل حال ، ورفع رأسه بغاية الهمة ومد يديه مدا عظيما ورفعها وقام على أصابع رجليه حين عاطوه ذلك أي سألوه فيه فطاوعهم وتناول الناقة بذلك السيف غير مكترث ولا مبال (فَعَقَرَ) أي فتسبب عن هذا الجد العظيم أن صدق فيما أثبت لهم الكذب في الوعد بالإحسان إليها والأشر ، وهو إيقاع العقر الذي ما كان في ذلك الزمان عقر مثله وهو عقر الناقة التي هي آية الله وإهلاكها.
ولما وقع كذبهم على هذا الوجه العظيم المبني على غاية الأشر ، حقق الله تعالى صدقه في توعدهم على تقدير وقوع ذلك ، فأوقع عذابهم سبحانه على وجه هو من عظمه أهل لأن يتساءل عنه ، فنبه سبحانه على عظمه بإيراده في أسلوب الاستفهام مسببا عن فعل الأشقى فقال : (فَكَيْفَ كانَ) وحافظ على مقام التوحيد كما مضى فقال : (عَذابِي) أي كان على حال ووجه هو أهل لأن يجتهد في الإقبال على تعرفه والسؤال عنه (وَنُذُرِ) أي إنذاري. ولما علم تفرغ ذهن السائل الواعي ، استأنف قوله مؤكدا إشارة إلى أن عذابهم مما يستلذ وينجح به ، وإرغاما لمن يستبعد النصيحة الواحدة بفعل مثل ذلك ، وإعلاما بأن القدرة على عذاب من كذب من غيرهم كهي على عذابهم فلا معنى للتكذيب : (إِنَّا) بما لنا من العظمة (أَرْسَلْنا) إرسالا عظيما ، ودل على كونه عذابا بقوله : (عَلَيْهِمْ صَيْحَةً) وحقر شأنهم بالنسبة إلى عظمة عذابهم بقوله تعالى : (واحِدَةً) صاحها عليهم جبريل عليهالسلام فلم يكن بصيحته هذه التي هي واحدة
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
