على متن ذلك الماء بعد أن صار جميع وجه الأرض مجرى واحدا ، وحذف الموصوف تهويلا بالحث على تعرفه بتأمل الكلام فقال : (عَلى ذاتِ) أي سفينة ذات (أَلْواحٍ) أي أخشاب نجرت حتى صارت عريضة (وَدُسُرٍ) جمع دسار وهو ما يشد به السفينة وتوصل بها ألواحها ويلج بعضها ببعض بمسمار من حديد أو خشب أو من خيوط الليف على وجه الضخامة والقوة والدفع والمتانة ، ولعله عبر عن السفينة بما شرحها تنبيها على قدرته على ما يريد من فتق الرتق ورتق الفتق بحيث يصير ذلك المصنوع ، فكان إلى ما هيأه ليراد منه وإن كان ذلك المراد عظيما وذلك المصنوع.
ولما كان ذلك خارقا للعادة فكان يمكن أن يكون في السفينة خارق آخر بإسكانها على ظهر الماء من غير حركة ، بين أن الأمر ليس كذلك فقال مظهرا خارقا آخر في جريها : (تَجْرِي) أي السفينة (بِأَعْيُنِنا) أي محفوظة أن تدخل بحر الظلمات ، أو يأتي عليها غير ذلك من الآفات ، بحفظنا على ما لنا من العظمة حفظ من ينظر الشيء كثرة ولا يغيب عنه أصلا ، وجوزوا أن يكون جمع تكسير لعين الماء ، ثم علل ذلك بقوله : (جَزاءً) أي لعبدنا نوح عليهالسلام ، ولكنه عبر هنا بما يفهم العلة ليحذر السامع وقوع مثل ذلك العذاب له إن وقع منه مثل فعل قومه فقال : (لِمَنْ) وعبر عن طول زمان كفرهم بقوله : (كانَ كُفِرَ) أي وقع الكفر به وهو أجل النعم ، فقال على أهل ذلك الزمان وذلك جزاء من كفر النعم ، ويجوز أن يكون المراد به قومه بين أنه وقع الكفر منهم وقوعا كأنهم مجبولون عليه حتى كأنه وقع عليهم لتوافق قراءة مجاهد بالبناء للفاعل.
ولما تم الخبر عن نجاته بحمله فيها ، نبه عن آثارها بقوله : (وَلَقَدْ تَرَكْناها) أي هذه الفعلة العظيمة من جري السفينة على هذا الوجه وإبقاء نوعها دالة على ما لنا من العظمة ، وقيل : تلك السفينة بعينها بقيت على الجودي حتى أدرك بقايا ما هذه الأمة (آيَةً) أي علامة عظيمة على ما لنا من العلم المحيط والقدرة التامة (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) أي مجتهد في التذكير بسبب هذا الأمر لما يحق على الخلق من شكر الخالق بما هدت إليه رسله كما قالوه.
ولما قدم تعالى قوله : (فَما تُغْنِ النُّذُرُ) وأتبعه ذكر إهلاكه المكذبين ، وكان ما ذكره من شأنهم أمرهم في الجلالة والعظمة بحيث يحق للسامع أن يسأل عنه ويتعرف أحواله ليهتدي بها على ذلك بقوله مسببا عن التذكير باستفهام الإنكار والتوبيخ : (فَكَيْفَ كانَ) أي وجد وتحقق (عَذابِي) أي لمن كذب وكفر وكذب رسلي (وَنُذُرِ) أي الإنذارات الصادرة عني والمنذرون المبلغون عني فإنه أنجى نوحا عليهالسلام ومن آمن
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
