كان فرعون يرى أنه أحق الناس بتعظيمه لأنه رباه وكفله (بِآياتِنا) أي التي قهر بها عظماء الخلق وجبابرتهم ، فدل ذلك على صحة دعواه وعلى جميع الآيات لتساويها في القدرة وخرق العادة. ولما كان السياق لسؤال النبي صلىاللهعليهوسلم الرسل عن أمر التوحيد ، كانت الآيات كافية ، فلم يذكر السلطان لأنه للقهر والغلبة : (إِلى فِرْعَوْنَ) أي لأنه طغى وبغى وادعى أنه هو الرب الأعلى ووافقه الضالون : (وَمَلَأَهُ) الذين جعلهم آلهة دونه وعبدهم قومهم فلم يقرهم على ذلك لأنا ما رضيناه (فَقالَ) بسبب إرسالنا (إِنِّي رَسُولُ) وأكد لأجل إنكارهم ما أنكره قومك من الرسالة. ولما كان الإحسان سببا للإذعان قال : (رَبِّ الْعالَمِينَ) أي مالكهم ومربيهم ومدبرهم.
ولما كانوا قد فعلوا من الرد لرسالته صلىاللهعليهوسلم والاستهزاء بها ما فعلته قريش ، قال مسليا للنبي صلىاللهعليهوسلم ومهددا لهم تسبيبا عما تقديره : فقالوا له ائت بآية ، فأتى بها على ما تقدم غير مرة بما هو كالشمس بيانا وحسنا : (فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا) بالإتيان بآيتي اليد والعصا اللتين شهدوا فيهما عظمتنا ودلتاهم على قدرتنا على جميع الآيات (إِذا هُمْ) أي بأجمعهم استهزاء برسولنا ، وطال ما يضحك عليهم هو ومن آمن برسالته وبما جاء به عنا يوم الحسرة والندامة (مِنْها يَضْحَكُونَ) أي فاجؤوا المجيء بها من غير توقف ولا كسل بالضحك سخرية واستهزاء.
ولما كان ربما ظن ظان أن في الآيات ما يقبل شيئا من ذلك ، بين حالها سبحانه بقوله : (وَما) أي والحال أنا ما (نُرِيهِمْ) على ما لنا من الجلال والعلو والكمال ، وأعرق في النفي بإثبات الجار وأداة الحصر لأجل من قد يتوهم أنهم معذورون في ضحكهم فقال : (مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ) أي في الرتبة (مِنْ أُخْتِها) أي التي تقدمت عليها بالنسبة إلى علم الناظرين لها لأن الآدمي لما له من النسيان إذا أتاه الثاني من المتساويين رأى جميع من أتاه ناسيا ولا بعض من أتى الأول فيقطع بأنه أكبر منه ، أو أن هذا كناية عن أنها كلها في نهاية العظمة كما قال شاعرهم : «من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم» أو أن بينها في الكبر عموما وخصوصا من وجه ، وأحسن من ذلك ما أشار إليه ابن جرير من أن كل آية أوضح في الحجة عليهم وأوكد مما قبلها ، لأنها دلت على ما دلت عليه وزادت ما أفادته المعاضدة من الضخامة فصارت هي مع ما قبلها أكبر مما قبلها عند ورودها وإقامة الحجة بها.
ولما كان التقدير : فاستمروا على كفرهم ولم يرجعوا لشيء من الآيات لأنا أصممناهم وأعميناهم وأحطنا بهم الضلال لعلمنا بحالهم ، عطف عليه قوله : (وَأَخَذْناهُمْ) أي أخذ قهر وغلبة (بِالْعَذابِ) أي كله لأنا واترنا عليهم ضرباته على وجه
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
