النوم والصعق من آيات الله على لقاء الله وهي مقدمات لذلك ، ولكل حقيقة حق يتقدمها كأشراط الساعة ، والإسراء وإن لم يكن موتا ولا صعقا ولا نوما على أظهر الوجوه فقد خرج عن مشاهدات الدنيا إلى مشاهدات الأفق الأعلى فلا تنكر الرؤية هنالك ، فالإسراء حالة غير حالة الدنيا ، بل هي من أحوال الآخرة وعالم الغيب ـ والله الهادي.
ولما تقرر ذلك غاية التقرر ، وكان موضع الإنكار عليهم ، قال مسببا عن ذلك : (أَفَتُمارُونَهُ) أي تستخرجون منه بجدالكم له فيما أخبركم به شكا فيه ولا شك فيه ، وعبر بالمفاعلة في قراءة الجماعة عن حمزة والكسائي ويعقوب إشارة إلى اجتهادهم في تشكيكه ، من مري الشيء : استخرجه ، ومري الناقة : مسح ضرعها ، فأمرى : در لبنها ، والمرية بالكسر والضم : الشك والجدل (عَلى ما يَرى) على صفة مطابقة القلب والبصر ، وذلك مما لم تجر العادة بدخول الشك فيه ولا قبوله للجدال ، وزاد الأمر وضوحا بتصوير الحال الماضية بالتعبير بالمضارع إشارة إلى أنه كما أنه لم يهم لم يلبس الأمر عليه ، بل كأنه الآن ينظر.
ولما كان الشيء أقوى ما يكون إذا حسر البصر ، فإذا وافقه كون القلب في غاية الحضور كان أمكن ، فإذا تكرر انقطعت الأطماع عن التعلق بالمجادلة منه ، قال مؤكدا لأجل إنكارهم : (وَلَقَدْ رَآهُ) أي الله تعالى أو جبرئيل عليهالسلام على صورته الحقيقية ، روى مسلم في الإيمان عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال (ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى) ، قال : «رآه بفؤاده مرتين» (١) وجعل ابن برجان الإسراء مرتين : الأولى بالفؤاد مقدمة وهذه بالعين.
ولما كان ذلك لا يتأتى إلا بتنزل يقطع مسافات البعد التي هي الحجب ليصير به بحيث يراه البشر ، عبر بقوله : (نَزْلَةً) وانتصب على الظرفية لأن الفعلة بمعنى المرة (أُخْرى) أي ليكمل له الأمر مرة في عالم الكون والفساد وأخرى في المحل الأنزه الأعلى ، وعين الوقت بتعين المكان فقال : (عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى) أي الشجرة التي هي كالسدر وينتهي إليها علم الخلائق وينتهي إليها ما يعرج من تحت وما ينزل من فوق ، فيتلقى هنالك ، وذلك ـ والله أعلم ـ ليلة الإسراء في السنة الثالثة عشرة من النبوة قبل الهجرة بقليل بعد الترقي في معراج الكمالات من السنين على عدد السماوات وما بينهما من المسافات ، فانتهى إلى منتهى يسمع فيه صريف الأقلام ، وعظمها بقوله : (عِنْدَها) أي السدرة (جَنَّةُ الْمَأْوى) الذي لا مأوى في الحقيقة غيره لأنه لا يوازي في عظمه ،
__________________
(١) تقدم في الذي قبله.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
