لغيره وهي كثيرة جدا ، وقد أكرم الله نبينا محمدا صلىاللهعليهوسلم عن أن يريه شيئا يكرهه في أمته حتى قبض.
ولما أوقف سبحانه السامع بهاتين الشرطيتين بين الخوف والرجاء لبيان الاستبداد بعلم الغيب تغليبا للخوف ، وأفهم السياق وإن كان شرطا أن الانتقام منهم أمر لا بد منه ، وأنه لا قدرة لأحد على ضرهم ولا نفعهم إلا الله ، سبب عنه قوله : (فَاسْتَمْسِكْ) أي أطلب وأوجد بجد عظيم على كل حال الإمساك (بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ) من حين نبوتك وإلى الآن في الانتقام منهم وفي غيره.
ولما كان المقام لكثرة المخالف محتاجا إلى تأكيد يطيب خواطر الأتباع ويحملهم على حسن الاتباع ، علل ذلك بقوله : (إِنَّكَ عَلى صِراطٍ) أي طريق واسع واضح جدا : (مُسْتَقِيمٍ) موصل إلى المقصود لا يصح أصلا أن يلحقه شيء من عوج ، فإذا فعلت ذلك لم يضرك شيء من نقمتهم.
ولما أثبت حسنه في نفسه المقتضي للزومه ، عطف عليه نفعه لهم. وأكد لإنكارهم فقال : (وَإِنَّهُ) أي الذي أوحى إليك في الدين والدنيا (لَذِكْرٌ) أي شرف عظيم جدا وموعظة وبيان ، عبر عن الشرف بالذكر للتنبيه على أن سببه الإقبال على الذكر وعلى ما بينه وشرعه والاستمساك به والاعتناء بشأنه : (لَكَ وَلِقَوْمِكَ) قريش خصوصا والعرب عموما وسائر من اتبعك ولو كان من غيرهم من جهة نزوله على واحد منهم وبلسانهم ، فكان سائر الناس تبعا لهم ومن جهة إيراثه الطريقة الحسنى والعلوم الزاكية الواسعة وتأثيره الظهور على جميع الطوائف والإمامة لقريش بالخصوص كما قال صلىاللهعليهوسلم «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان ما أقاموا الدين» (١) فمن أقام هذا الدين كان شريفا مذكورا في ملكوت السماوات والأرض ، قال ابن الجوزي : وقد روى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلىاللهعليهوسلم كان إذا سئل : لمن هذا الأمر ، من بعدك ، لم يخبر بشيء حتى نزلت هذه الآية ، فكان بعد ذلك إذا سئل قال : لقريش ـ وهذا يدل على أن النبي صلىاللهعليهوسلم فهم من هذا أنه يلي على المسلمين بحكم النبوة وشرف القرآن ، وأن قومه يخلفونه من بعده في الولاية بشرف القرآن الذي أنزل على رجل منهم ـ انتهى.
ولما كان التقدير : فسوف تشرفون على سائر الملوك وتعلمون ، عطف عليه قوله :
__________________
(١) أخرجه البخاري ٢١٩٥ و ٧١٤٠ ومسلم ١٨٢٠ وابن حبان ٦٢٦٦ وأبو يعلى ٥٥٨٩ وأحمد ٢ / ٢٩ و ٩٣ من حديث ابن عمر.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
