وأقوالهم أعمال الخائض في ماء ، فهو لا يدري أين يضع رجله. ولما كان ذلك قد يكون من دهشة بهم أو غم ، نفى ذلك بقوله : (يَلْعَبُونَ) فاجتمع عليهم أمران موجبان للباطل : الخوض واللعب ، فهم بحيث لا يكاد يقع لهم قول ولا فعل في موضعه ، فلا يؤسس على بيان أو حجة. ولما صور تكذيبهم بأشنع صورة ، بين ويلهم ببيان ظرفه وما يفعل فيه فقال : (يَوْمَ يُدَعُّونَ) أي يدفعون دفعا عنيفا بجفوة وغلظة من كل من يقيمه الله لذلك ، ذاهبين ومنتهين (إِلى نارِ جَهَنَّمَ) وهي الطبقة التي تلقاهم بالعبوسة والكراهة والتغيظ والزفير ، وأكد المعنى وحققه بقوله : (دَعًّا) قال البغوي : وذلك أن خزنه جهنم يعلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ثم يدفعونهم دفعا على وجوههم وزجا في أقفيتهم ، مقولا لهم تبكيتا وتوبيخا : (هذِهِ النَّارُ) أي الجسم المحرق المفسد لما أتى عليه ، الشاغل عن اللعب (الَّتِي كُنْتُمْ) بجبلاتكم الفاسدة. ولما كان تكذيبهم بها في أقصى درجات التكذيب ، وكان سببا لكل تكذيب ، كان كأنه مقصور عليه فقال مقدما للظرف إشارة إلى ذلك : (بِها تُكَذِّبُونَ) أي في الدنيا على التجديد والاستمرار.
ولما كانوا يقولون عنادا : إن القرآن بما فيه من الوعيد سحر ، سبب عن ذلك الوعيد قوله مبكتا موبخا متهكما : (أَفَسِحْرٌ هذا) أي الذي أنتم فيه من العذاب مع هذا الإحراق الذي تصلون منه (أَمْ أَنْتُمْ) في منام ونحوه (لا تُبْصِرُونَ) بالقلوب كما كنتم تقولون في الدنيا (قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ) [فصلت : ٥] ولا بالأعين كما كنتم تقولون للمنذرين (مِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ) [فصلت : ٥] أي أنتم عمي عن المخبر عنه مع إحراقه لهم كما كنتم عميا عن الخبر أي هل تستطيعون أن تقولوا إنكم لا تبصرون المخبر عنه كما كنتم تقولون في الخبر كذبا وفجورا ، ثم يقال لهم بعد هذا التبكيت الذي يقطع بأن جوابهم يكون بأن يقولوا : لا وعزة ربنا ما هو بسحر ولا خيال ، بل هو حقيقة ، ونحن في غاية الإبصار على سبيل الإخزاء ، والامتهان والإذلال : (اصْلَوْها) أي باشروا حرها وقاسوه وواصلوه كما كنتم تواصلون أذى عبادي بما يحرق قلوبهم (فَاصْبِرُوا) أي فيتسبب عن تكذيبكم في الدنيا ومباشرتكم لها الآن أن يقال لكم : اصبروا على هذا الذي لا طاقة لكم به (أَوْ لا تَصْبِرُوا) فإنه لا محيص لكم عنها (سَواءٌ عَلَيْكُمْ) أي الصبر والجزع.
ولما كان المعهود أن الصبر له مزية على الجزع ، بين أن ذلك حيث لا تكون المصيبة إلا على وجه الجزاء الواجب وقوعه فقال معللا : (إِنَّما تُجْزَوْنَ) أي يقع جزاؤكم الآن وفيما يأتي على الدوام (ما كُنْتُمْ) أي دائما بما هو لكم كالجبلة (تَعْمَلُونَ) مع الأولياء غير مبالين بهم ، فكان هذا ثمرة فعلكم بهم.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
