أماتتهم ثم أحياهم الله وبما كانوا يشاهدون من السحاب الذي تخلله فيكون كقتار الأتون ، وفيه بروق كأعظم ما يشاهد من النار ، وأبواق تزعق بصوت هائل ، ولما شوهد من اندكاك لجبل عند التجلي وصعق موسى عليهالسلام إلى غير ذلك من الآيات التي تكشف الظلمات ، وأيضا فالطور كل جبل ينبت ، وإنبات الجبل عجيب ، فإن نباته لا يكون إلا بسبب ، وسبب النبات الماء ، والماء منبث في الأرض لتركبها عليه وهو مواز لما انكشف منه من ماء البحار ، وكلما علت الأرض بعدت عن الماء ، والجبال أبعدها منه ، فسبب إنباته خفي جدا لا يعلمه إلا الله ومن فهمه إياه.
ولما كانت الأرض لوح السماء التي منها الوعيد ، وكانت الجبال أشدها ، فذكر أعظمها آية ، وكان الكتاب لوح الكاتب ، وكانت الكتب الإلهية أثبت الكتب ، وكان طور سينا قد نزل فيه كتاب إلهي قال : (وَكِتابٍ) وحقق أمره بقوله : (مَسْطُورٍ) أي متفق الكتابة بسطور مصفوفة من حروف مرتبة جامعة لكلمات متفقة ككتاب موسى عليهالسلام الذي أنزله عليه وكلمه بكثير منه في الطور وتنكيره للتعظيم لأنه إن كان المراد به الكتب الإلهية فهو أثبت الأشياء ، وإن كان المراد صحيفة قريش فقد كانوا ظنوها أثبت العهود ، وذكر أمتن ما يكتب فيه وأشده وأتقنه فقال : (فِي رَقٍ) أي في جلد مهيأ بالقشر للكتابة (مَنْشُورٍ) أي مهيأ للقراءة والاتعاظ بما فيه ، ويمكن أن يكون أراد به جميع الكتب المنزلة عاما بعد خاص ، قال الرازي : قال الصادق : إن الله تجلى لعبده بكتابه كما تجلى بالطور لما كان محلا للتجلي خلقا ، والكتاب لما كان محلا للتجلي أمرا ، أجراهما في قرن ـ انتهى. ويجوز أن يكون أراد به سبحانه صحيفة الظلم التي كتبوها بما تعاقدوا عليه من أنهم لا يعاشرون بني هاشم ولا يكلمونهم ولا يبايعونهم ولا يشاورونهم ولا يناكحونهم ولا يؤازرونهم ولا يعاملونهم حتى يسلموا إليهم رسول الله صلىاللهعليهوسلم وعلقوها في جوف الكعبة فانحاز بنو هاشم إلى شعب أبي طالب خلف أبي قبيس وتبعهم بنو المطلب رهط إمامنا الشافعي رضي الله عنه ، فتحيزوا معهم من بين بني عبد مناف ، فكان ذلك سبب شرفهم على مدى الدهر ، فأرسل الله على الصحيفة ـ بعد أن مضى على ذلك سنتان حين جهدهم العيش ومضّهم الزمان وزلزلتهم القوارع زلزالا شديدا وهم ثابتون ليظهر الله بذلك شرف من شاء من عباده ـ الأرضة ، فأبقت ما فيها من أسماء الله تعالى ومحت ما كان من ظلمهم وقطيعتهم ، فكان ذلك سببا لأن قام في نقضها معشر منهم ، فنقضها الله بهم ، وكانوا إذ ذاك كفرة كلهم ليظهر الله قدرته سبحانه على كل من النقض والإبرام بما شاء ومن شاء (وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) الذي هو قيام للناس كما كانت قبة الزمان قياما لبني إسرائيل ، هذا إن كان تعالى أراد به الكعبة التي علقوا فيها الصحيفة بعد
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
