ولما كان من ضل عن الطريق ، ومن ظن أنه على صواب لا يكاد يتمادى بل ينجلي له الحال عن قرب ضم إلى العجبين الماضيين عجبا ثالثا بيانا له على ما تقديره : ونملي لهذا العاشي استدراجا له وابتلاء لغيره ونمد ذلك طول حياته (حَتَّى) وحقق الخبر بقوله : (إِذا) ولما علم من الجمع فيما قيل أن المراد الجنس ، وكان التوحيد أدل دليل على تناول كل فرد ، فكان التعبير به أهول ، وكان السياق دالا على من الضمير له قال : (جاءَنا) أي العاشي ، ومن قرأ بالتثنية أراد العاشي والقرين (قالَ) أي العاشي تندما وتحسرا لا انتفاع له به لفوات محله وهو دار العمل : (يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ) أيها القرين (بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ) أي ما بين المشرق والمغرب على التغليب ـ قاله ابن جرير وغيره ، أو مشرق الشتاء والصيف أي بعد أحدهما عن الآخر ؛ ثم سبب عن هذا التمني قوله جامعا له أنواع المذام : (فَبِئْسَ الْقَرِينُ) أي إني علمت أنك الذي أضلني وأوصلني إلى هذا العيش الضنك والمحل الدحض وأحسست في هذا الوقت بذلك الذي كنت تؤذيني به أنه أذى بالغ ، فكنت كالذي يحك جسمه لما به من قروح متأكلة حتى يخرج منه الدم فهو في أوله يجد له لذة بما هو مؤلم له في نفسه غاية الإيلام. ولما كان الإيلام قد يؤذي الجسد ، وكان التقدير حتما بما هدى إليه السياق فيقال لهم : فلن ينفعكم ذلك اليوم يوم جئتمونا إذ تمنيتم هذا التمني حين عاينتم تلك الأهوال اشتراككم اليوم في يوم الدنيا في الظلم وتمالؤكم عليه ومنافرة بعضكم لبعض ، عطف عليه قوله : (وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ) أي في الدنيا شيئا من نفع أصلا (إِذْ) حين (ظَلَمْتُمْ) حال كونكم مشتركين في الظلم متعاونين عليه متناصرين فيه ، وكل واحد منكم يقول لصاحبه سرورا به وتقربا إليه وتوددا : يا ليت أنا لا نفترق أبدا فنعم القرين أنت ، فيقال لهم توبيخا : (أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ) أي العظيم ، وقدمه اهتماما بالزجر به والتخويف منه (مُشْتَرِكُونَ) أي اشتراككم فيه دائما ظلمكم أنفسكم ظلما باطنا بأمور أخفاها الطبع على القلوب وهو الموجب للارتباك في أشراك المعاصي الموصلة إلى العذاب الظاهر يوم التمني ويوم القيامة عذابا ظاهرا محسوسا ، وذلك كمن يجرح جراحة بالغة وهو مغمي عليه فهو معذب بها قطعا ، ولكنه لا يحس إلا إذا أفاق فهو كما تقول لأناس يريدون أن يتمالؤوا على قتل نفس محرمة : لن ينفعكم اليوم إذ تتعاونون على قتله اشتراككم غدا في الهلاك بالسجن الضيق والضرب المتلف وضرب الأعناق ، مرادك بذلك زجرهم عن ظلمهم بتذكيرهم بأنهم يصلون إلى هذا الحال ويزول ما هم فيه من المناصرة فلا ينفعهم شيء منها ـ والله الموفق ، فالآية من الاحتباك ، وبه زال عنها ما كان من إعراب المعربين لها موجبا للارتباك «فيا ليت» ـ إلى آخره ، دال على تقدير ضده ثانيا (وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ) ـ إلى آخره ، دال على تقدير مثله أولا.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
