ولما ذكر النار وقدمها لأن المقام للإنذار ، أتبعها دار الأبرار ، فقال سارا لهم بإسقاط مؤنة السير وطيّ شقة البعد : (وَأُزْلِفَتِ) أي قربت بأيسر أمر مع الدرجات والحياض الممتلئة (الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ) أي العريقين في هذا الوصف ، فإذا رأوها تسابقوا إليها وتركوا ما كانوا فيه من الموقف من منابر النور وكثبان المسك ونحو هذا ، وأما غيرهم من أهل الإيمان فقد يكون لهم على غير هذا الوصف ، فيساق إليها الذين اتقوا كما مضى في الزمر. ولما كان القرب أمرا نسبيا أكده بقوله : (غَيْرَ بَعِيدٍ) أي إزلافا لا يصح وصفه ببعد.
ولما كان التقريب قد لا يدري الناظر ما سببه ، قال سارا لهم : (هذا) أي الإزلاف والذي ترونه من كل ما يسركم (ما) أي الأمر الذي (تُوعَدُونَ) أي وقع الوعد لكم به في الدنيا ، وعبر بالمضارع حكاية للحال الماضية ، وعبر عن الإزلاف بالماضي تحقيقا لأمره وتصويرا لحضوره الآن ليكون المضارع من الوعد في أحكم مواضعه ، وأبهم الأمر لأنه أكثر تشويقا ، والتعيين بعد الإبهام ألذ ، فلذلك قال بيانا للمتقين ، معيدا للجار لما وقع بينه وبين المبدل منه من الجملة الاعتراضية جوابا لمن كأنه قال : لمن هذا الوعد؟ فقال تعالى : (لِكُلِّ أَوَّابٍ) أي رجاع إلى الاستقامة بتقوى القلب إن حصل في ظاهره عوج ، فنبه بذلك على أنه من فضله لم يشترط في صحة وصفه بالتقوى دوام الاستقامة (حَفِيظٍ) أي مبالغ في حفظ الحدود وسائر العهود بدوام الاستقامة والرجوع بعد الزلة ، ثم أبدل من «كل» تتميما لبيان المتقين قوله : (مَنْ خَشِيَ) ولم يعد الجارّ لأنه لا اعتراض قبله كالأول ، ونبه على كثرة خشيته بقوله : (الرَّحْمنَ) لأنه إذا خاف مع استحضار الرحمة العامة للمطيع والعاصي كان خوفه مع استحضار غيرها أولى ، وقال القشيري : التعبير بذلك للإشارة إلى أنها خشية تكون مقرونة بالأنس يعني الرجاء كما هو المشروع ، قال : ولذلك لم يقل (الْجَبَّارُ) أو (الْقَهَّارُ) قال : ويقال : الخشية ألطف من الخوف ، فكأنها قريبة من الهيبة (بِالْغَيْبِ) أي مصاحبا له من غير أن يطلب آية أو أمرا يصير به إلى حد المكاشفة ، بل استغنى بالبراهين القاطعة التي منها أنه مربوب ، فلا بد له من رب ، وهو أيضا بيان لبليغ خشيته.
ولما كان النافع من الطاعة الدائم إلى الموت ، قال : (وَجاءَ) أي بعد الموت (بِقَلْبٍ مُنِيبٍ) أي راجع إلى الله تعالى بوازع العلم ، ولم يقل : بنفس ، لطفا بالعصاة لأنهم وإن قصرت نفوسهم لم يكن لها صدق القدم فلهم الأسف بقلوبهم وصدق الندم.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
