عدم حاجته ، وتخويفا بما هو أقرب إلى مألوفاتنا (إِذْ) أي حين (يَتَلَقَّى) أي بغاية الاجتهاد والمراقبة والمراعاة من كل إنسان خلقناه وأبرزناه إلى هذا الوجود (الْمُتَلَقِّيانِ) وما أدراك ما هما؟ ملكان عظيمان حال كونهما (عَنِ الْيَمِينِ) لكل إنسان قعيد منهما (وَعَنِ الشِّمالِ) كذلك (قَعِيدٌ) أي رصد وحبس مقاعد لذلك الإنسان بأبلغ المقاعدة ونحن أقرب منهما وأعلم علما ، وإنما استحفظناهما لإقامة الحجة بهما على مجاري عاداتكم وغير ذلك من الحكم.
ولما كانت الأفعال اللسانية والقلبية والبدنية ناشئة عن كلام النفس ، فكان الكلام جامعا ، قال مبينا لإحاطة علمه بإحاطة من أقامه لحفظ هذا الخلق الجامع في جواب من كأنه قال : ما يفعل المتلقيان : (ما يَلْفِظُ) أي يرمي ويخرج المكلف من فيه ، وعم في النفي بقوله : (مِنْ قَوْلٍ) أي مما تقدم النهي عنه في الحجرات من الغيبة وما قبلها وغير ذلك قل أو جل (إِلَّا لَدَيْهِ) أي الإنسان أو القول على هيئة من القدرة والعظمة هي من أغرب المستغرب (رَقِيبٌ) من حفظتنا شديد المراعاة له في كل من أحواله (عَتِيدٌ) أي حاضر مراقب غير غافل بوجه ، روى البغوي بسنده من طريق الثعلبي عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «كاتب الحسنات على يمين الرجل ، وكاتب السيئات على يسار الرجل ، وكاتب الحسنات أمير على كاتب السيئات ، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا ، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال : دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر» (١).
ولما كان مثل إرسال الخافقين ثم الموت ثم النفخ بإرسال الملك في الدنيا إلى الناس لعرضهم فيصير الإنسان منهم ساعيا في التزين للملك بما يعجبه في مقصود ذلك العرض في الأجل الذي ضربه لهم ، فإذا جاء ذلك الوقت الذي هو كالموت أخذته الرسل فباءوا به كما يفعل حال الموت بالميت ومن أحضروه منهم حبسوه على باب الملك لتكامل المعروضين ، فإذا كمل جمعهم وأمر بقيامهم للعرض زعق لهم المنادي بالبوق الذي يسمى النفير وهو كالصور ، فلهذا قال تعالى مبينا لإحاطة قدرته بجميع خلقه عاطفا على ما تقديره : فاضطرب ذلك الإنسان الموكل به في الوقت المأمور بالتردد فيه بما يرضي الله بالقول والفعل على حسب إرادته سبحانه سواء كان موافقا للأمر أو مخالفا إلى أن آن أوان الرحيل معبرا بالماضي تنبيها على أن الموت مع أنه لا بد منه قريب جدا : (وَجاءَتْ) أي أتت وحضرت (سَكْرَةُ الْمَوْتِ) أي حالته عند النزع
__________________
(١) سبق أن خرّجته ، وهو حديث ثابت.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
