ولما لم تكن لهم شهرة يعرفون بها قال : (قَوْمُ نُوحٍ) وأشار إلى عظيم التسلية بأنهم جاءهم منذر منهم ، وكانوا في القوة في القيام فيما يحاولونه والكثرة بحيث لا يسع الأفهام جميع أوصافهم ، فآذوا رسولهم وطال أذاهم قريبا من عشرة قرون ولما كان آخر أمرهم أنه التقى عليهم الماءان : ماء السماء ، وطلع إليهم ماء الأرض فأغرقهم ، أتبعهم من طائفتهم قصتهم بأن نزل بهم الماء فأوبقهم لما بين حاليهم من الطباق دلالة على عظيم القدرة والفعل بالاختيار فقال : (وَأَصْحابُ الرَّسِ) أي البئر التي تقوضت بهم فخسفت مع ما حولها فذهبت بهم وبكل ما لهم كما ذكرت قصتهم في الفرقان. ولما كانت آية قوم صالح من أعظم الدلالات على القدرة على البعث ، وكان إهلاكهم مناسبا لإهلاك من قبلهم ، أما لأصحاب الرس فكان بالرجفة التي هي على مبدأ الخسف ، وأما لقوم نوح فلأن الرجفة تأثرت عن الصيحة التي حملتها الريح التي من شأنها حمل السحاب الحامل للماء ، أتبعهم بهم ، وكانوا أصحاب بئر ولم يخسف بهم فقال : (وَثَمُودُ) ولما اتفق قوم هود عليهالسلام والقبط بالإهلاك بالريح التي أثرت بها صيحة ثمود ، أولئك مع الحجارة والرمل وهؤلاء بالماء الذي فرقه الله بالريح عند ضرب العصي ، وكان لكل منهما من ضخامة الملك وعز السلطان ما هو مشهور قدم أشدهما أبدانا وأوسعهما ملكا لأن إهلاكهم كان أدل دليل على القدرة وأقرب شبها بهلاك ثمود فقال : (وَعادٌ) وعطف عليه أقرب الطائفتين شبها بالهلاك بقوم نوح وأصحاب الرس فقال : (وَفِرْعَوْنُ) نص عليه لأنه ليس في مادة هذا الغرق كافر غيره ، والنص عليه يفهم غيره ، وما تقدم في غير هذه السورة غير مرة من وصفه بأنه ملك قاهر وأنه استخفهم فأطاعوه فيعلم كفرهم طاعة له ، وأنه ليوافق ما قبله وما بعده. ولما كان السياق للعزة والشقاق ، فلم يدع داع إلى إثبات ذي الأوتاد. ولما كان هلاك المؤتفكات جامعا في الشبه بهلاك جميع من تقدم بالخسف وغمرة الماء بعد القلب في الهواء ، أتبعهم بهم معبرا عنهم بأخصر من تسميه قبائلهم أو مدنهم لأنها عدة مدن ، وعبر بالأخوة دون القوم لأن السياق لتكذيب من هو منهم لأنه أدخل في التسلية فقال : (وَإِخْوانُ لُوطٍ) أي أصهاره الذين جبروا بينهم وبينه مع المصاهرة بالمناصرة لملوكهم ورعاياهم على من ناواهم بنفسه وعمه إبراهيم عليهماالسلام كما مضى بيانه في البقرة ما صار كالأخوة ، ومع ذلك عاملوه بما اشتق من لفظ هذا الجمع من الجناية له ولأنفسهم وغيرهم.
ولما كان الشجر مظنة الهواء البارد والروح ، وكان أصحابه قد عذبوا بضد ذلك قال : (وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ) لمشاركتهم لهم في العذاب بالنار ، وأولئك بحجارة الكبريت النازلة من العلو وهؤلاء بالنار النازلة من ظلمة السحاب ، وعبر عنهم بالواحدة والمراد
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
