ولما كان من لا ينتفع بالشيء كأنه عادم لذلك الشيء ، قصر الأمر على المنتفع فقال : (لِكُلِّ عَبْدٍ) يتذكر بما له من النقص وبما دل عليه هذا الصنع من الكمال أنه عبد مربوب لصانعه. ولما كان الإنسان لما له من النقصان لا يزال كلما أعلاه عقله أسفله طبعه ، فكان ربما ظن أنه لا يقبل إذا رجع ، رغبة في الرجوع بقوله : (مُنِيبٍ) أي رجاع عما حطه عنه طبعه إلى ما يعليه إليه عقله ، فيرجع من شهود هذه الأفعال إلى شهود هذه الصفات إلى علم الذات.
ولما كان إنزال الماء أبهر الآيات وأدلها على أنه أجلّ من أن يقال : إنه داخل العالم أو خارجه ، أو متصل به أو منفصل عنه ، مع أن به تكوّن النبات وحصول الأقوات وبه حياة كل شيء ، أفرده تنبيها على ذلك فقال : (وَنَزَّلْنا) أي شيئا فشيئا في أوقات على سبيل التقاطر وبما يناسب عظمتنا التي لا تضاهى بغيب ، لما له من النقل والنبوع والنفوذ فنزل دفعة واحدة فأهلك ما نزل عليه فزالت المفقرة وعادت المنفعة مضرة (مِنَ السَّماءِ) أي المحل العالي الذي لا يمسك فيه الماء عن دوام التقاطر إلا بقاهر (ماءً مُبارَكاً) أي نافعا جدا ثابتا لا خيالا محيطا بجميع منافعكم.
ولما كان الماء سببا في تكون الأشياء ، وكان ذلك سببا في انعقاده حتى يصير خشبا وحبا وعنبا ، وغير ذلك عجبا ، قال : (فَأَنْبَتْنا) معبرا بنون العظمة (بِهِ جَنَّاتٍ) من الثمر والشجر والزرع وغيره مما تجمعه البساتين فتجنّ ـ أي تستر ـ الداخل فيها. ولما كان القصب الذي يحصد فيكون حبه قوتا للحيوان وساقه للبهائم ، خصه بقوله : (وَحَبَّ الْحَصِيدِ) أي النجم الذي من شأنه أن يحصد من البر والشعير ونحوهما ، وأومأ بالتقييد إلى أن هذه الحبوب أشرف من حب اللآلىء الذي ينبته الله من المطر لأنها لقيام النبتة؟ وتلك للزينة ، ولما كان النخل من أعجبه ما يتكون منه مع ما له من المنافع التي لا يساويه فيها شجر ، والطباق للزرع بالطول والقصر والاتساق بالاقتيات للآدميين والبهائم ، قال : (وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ) أي عاليات طويلات على جميع الأشجار المثمرة ذوات أثمار طيبة (لَها) مع يبس ساقها (طَلْعٌ نَضِيدٌ) أي مصفوف متراكم بعضه فوق بعض ، وهو حشو طلعه ، والطلع ذلك الخارج من أعلى النخلة كأنه فعلان مطبقان ، والحمل النضيد بينهما ، والطرف محدد ، أو الطلع ما يبدو من ثمر النخل أول ظهورها ، وذلك القشر يسمى الكفرى لتغطيته إياه على أحكم ما يكون وأوثق ، والطلع يشبه ما للناقة المبسق من اللبا المتكون في ضرعها قبل النتاج ، ثم يصير بعد اتحاده في البياض وهو طلع إلى الافتراق حال الينوع إلى أحمر وأصفر وأخضر وغير ذلك من الألوان الغريبة ، والأوصاف العجيبة ، وهي محيطة المنافع بالتفكه على عدة أنواع والاقتيات وغير ذلك ، وطلعها مخالف لعادة أكثر الأشجار فإن ثمارها مفردة ، كل حبة منفردة عن أختها.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
