بقوله والإشارة بأداة البعد إلى عظيم استبعادهم : (ذلِكَ) أي الأمر الذي هو في تمييز ترابنا من بقية التراب في غاية البعد ، وهو مضمون الخبر برجوعنا (رَجْعٌ) أي رد إلى ما كنا عليه (بَعِيدٌ) جدا لأنه لا يمكن تمييز ترابنا من بقية التراب. ولما كان السياق لإحاطة العلم بما نعلم وما لا نعلم ، توقع السامع الجواب عن هذا الجهل ، فقال مزيلا لسببه ، مفتتحا بحرف التوقع : (قَدْ) أي بل نحن على ذلك في غاية القدرة لأنا قد (عَلِمْنا) بما لنا من العظمة (ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ) أي من أجزائهم المتخللة من أبدانهم بعد الموت وقبله ، فإنه لو زاد الإنسان بكل طعام يأكله ولم ينقص صار كالجبل بل نحن دائما في إيجاد وإعدام تلك الأجزاء ، وذلك فرع العلم بها كل جزء في وقته الذي كان نقصه فيه قل ذلك الجزء أو جل ، ولم يكن شيء من ذلك إلا بأعيننا بما لنا من القيومية والخبرة النافذة في البواطن فضلا عن الظواهر والحفظ ، الذي لا يصوب إلى جنابه عي ولا غفلة ولا غير ، ولكنه عبر بمن لأن الأرض لا تأكل عجب الذنب ، فإنه كالبزر لأجسام بني آدم.
ولما كانت العادة جارية عند جميع الناس بأن ما كتب حفظ ، أجرى الأمر على ما جرت به عوائدهم فقال مشيرا بنون العظمة إلى غناه عن الكتاب : (وَعِنْدَنا) أي على ما لنا من الجلال الغني عن كل شيء (كِتابٌ) أي جامع لكل شيء (حَفِيظٌ) أي بالغ في الحفظ لا يشذ عنه شيء من الأشياء دق أو جل ، فكيف يستبعدون على عظمتنا أن لا نقدر على تمييز ترابهم من تراب الأرض ولم يختلط في علمنا شيء من جزء منه بشيء من جزء آخر فضلا عن أن يختلط شيء منه بشيء آخر من تراب الأرض أو غيرها.
ولما كان التقدير : وهم لا ينكرون ذلك من عظمتنا لأنهم معترفون بأنا خلقنا السماوات والأرض وخلقناهم من تراب وإنا نحن ننزل الماء فينبت النبات ، أضرب عنه بقوله : (بَلْ) الذين (كَذَّبُوا بِالْحَقِ) أي الأمر الثابت الذي لا أثبت منه (لَمَّا) أي حين (جاءَهُمْ) لما ثار عندهم من أجل تعجبهم من إرسال رسولهم من حظوظ النفوس وغلبهم من الهوى ، حسدا منهم من غير تأمل لما قالوه ولا تدبر ، ولا نظر فيه ولا تفكر ، فلذلك قالوا ما لا يعقل من أن من قدر على إيجاد شيء من العدم وإبدائه لا يقدر على إعادته بعد إعدامه وإفنائه.
ولما تسبب عن انتسابهم في هذا القول الواهي وارتهانهم في عهدته اضطرابهم في الرأي : هل يرجعون فينسبوا إلى الجهل والطيش والسفه والرعونة أم يدومون عليه فيؤدي ذلك مع كفرهم بالذي خلقهم إلى أعظم من ذلك من القتال والقتل ، والنسبة إلى الطيش والجهل ، قال معبرا عن هذا المعنى : (فَهُمْ) أي لأجل مبادرتهم إلى هذا القول
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
