كما قال الحسن رحمهالله : إنما الفقيه العامل بعلمه. وقد تقدم أن هذا هو المراد بقوله تعالى : (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) [الزمر : ٩] لما دل عليه سياقها وسباقها ، والأتقى لا يفتخر على غيره لأنه لا يعتقد أنه أتقى ، قال الرازي في اللوامع : أكرم الكرم التقوى ، وهو مجمع الفضائل الإنسانية ، وألأم اللؤم الفجور ، وذلك أن الكرم اسم للأفعال المحمودة ، وهذه الأفعال إنما تكون محمودة إذا كانت عن علم ، وقصد بها الله ، وهذا هو التقوى ، فليس التقوى إلا العلم وتحري الأفعال المحمودة ـ انتهى. وذلك لأن التقوى تثبت الكمالات وتنفي النقائص فيصير صاحبها بشريا ملكيا.
ولما كان هذا مركوزا في طبائعهم مغروزا في جبلاتهم متوارثا عندهم أن الفخر إنما هو بالأنساب ، وأن الكريم إنما هو من طاب أصله ، وكان قلع ذلك من نفوسهم فيما أجرى به سبحانه العادة في دار الأسباب يتوقف على تأكيد ، أكد سبحانه معللا قوله لإخباره بالأكرم : (إِنَّ اللهَ) أي المحيط علما وقدرة (عَلِيمٌ) أي بالغ العلم بالظواهر (خَبِيرٌ) محيط العلم بالبواطن والسرائر أيضا ، روى البغوي بسند من طريق عبد الله بن حميد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلىاللهعليهوسلم طاف يوم الفتح على راحلته ليستلم الأركان بمحجنه ، فلما خرج لم يجد مناخا فنزل على أيدي الرجال ، ثم قام فخطبهم ثم حمد الله وأثنى عليه وقال : «الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية وتكبرها بآبائها ، إنما الناس رجلان : برّ تقي كريم على الله ، وفاجر شقي هين على الله ـ ثم تلا (يا أَيُّهَا النَّاسُ) الآية ، ثم قال : أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم» وأخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والبيهقي ـ قال المنذري ، بإسناد حسن ، واللفظ له ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلىاللهعليهوسلم قال قال : «إن الله عزوجل أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء ، الناس بنو آدم وآدم من تراب ، مؤمن تقي وفاجر شقي ، لينتهين أقوام يفتخرون برجال إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها» (١).
ولما أمر سبحانه بإجلال رسوله صلىاللهعليهوسلم وإعظامه ، ونهى عن أذاه في نفسه أو في أمته ، ونهى عن التفاخر الذي هو سبب التقاطع والتداحر ، وختم بصفة الخبر ، دل عليها بقوله مشيرا إلى أنه لا يعتد بشيء مما أمر به أو نهى عنه إلا مع الإخلاص فقال : (قالَتِ الْأَعْرابُ) أي أهل البادية من بني أسد وغيرهم الذين هم معدن الغلظة والجفاء الذين تقدم تأديبهم في سورة محمد ، وألحق التاء في فعلهم إشارة إلى ضعفهم في العزائم ،
__________________
(١) أخرجه أبو داود ١١٦ وأحمد ٨٥١٩ و ١٠٤٠٢ من حديث أبي هريرة وإسناده حسن.
ـ وأخرجه الترمذي ٣٢٧٠ من حديث ابن عمر وقال : حديث غريب عبد الله بن جعفر يضعف ا ه وهو صالح للمتابعة.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
