لهم أن يكلموك حتى تفرغ لهم فتقصدهم فإنك لا تفعل شيئا في غير حينه بمقتضى أمر الرسالة (لَكانَ) أي الصبر.
ولما كان العرب أهل معال فهم بحيث لا يرضون إلا الأحسن فقال : (خَيْراً لَهُمْ) أي من استعجالهم في إيقاظك وقت الهاجرة وما لو قرعوا الباب بالأظافير كما كان يفعل غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم ، وهذا على تقدير أن يكون ما ظنوا من أن فيه خيرا فكانوا يعقلون ، ففي التعبير بذلك مع الإنصاف بل الإغضاء والإحسان هز لهم إلى المعالي وإرشاد إلى ما يتفاخرون به من المحاسن ؛ قال الرازي : قال أبو عثمان : الأدب عند الأكابر يبلغ بصاحبه إلى الدرجات العلى والخير في الأولى والعقبى ـ انتهى. وأخيرية صبر في الدين معروفة ، وأما في الدنيا فإنهم لو تأدبوا لربهم زادهم النبي صلىاللهعليهوسلم في الفضل فأعتق جميع سبيهم وزادهم ، والآية من الاحتباك : حذف التعليل بعدم الصبر أولا لما دل عليه ثانيا ، والعقل ثانيا لما دل عليه من ذكره أولا.
ولما كان التقدير تأديبا لنا وتدريبا على الصفح عن الجاهل وعذره وتعليمه : ولكنهم لم يصبروا وأساؤوا الأدب فكان ذلك شرا لهم والله عليم بما فعلوا حليم حيث لم يعاجلهم بالعقوبة لإساءتهم الأدب على رسوله صلىاللهعليهوسلم ، عطف عليه استعطافا لهم مع إفهامه الترهيب : (وَاللهُ) أي المحيط بصفات الكمال (غَفُورٌ) أي ستور لذنب من تاب من جهله (رَحِيمٌ) يعامله معاملة الراحم فيسبغ عليه نعمه. ولما تابوا ، أعتبهم الله في غلظتهم على خير خلقه أن جعلهم أغلظ الناس على شر الناس : الدجال ، فإن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : إنهم أشد الناس عليه (١).
ولما أنهى سبحانه ما أراد من النهي عن أذى الرسول صلىاللهعليهوسلم في نفسه ، وكان من ذلك أذاه في أمته ، فإنه عزيز عليه ما عنتوا وكان من آذاه فيهم فاسقا ، وكان أعظم الأذى فيهم ما أورث كربا فأثار حربا ، وكان ربما اتخذ أهل الأغراض هذه الآداب ذريعة إلى أذى بعض المسلمين فقذفوهم بالإخلال بشيء منها فوقعوا هم فيها فيما قذفوا به غيرهم من الإخلال بحقه والتقيد بولائه ورقه ، وكان لرسول الله صلىاللهعليهوسلم من الأخلاق الطاهرة والمعالي الظاهرة ما يؤمن معه أن يوقع شيئا في غير محله ، أن يأمر بأمر من غير حله ـ هذا مع ما له من العصمة ، قال منبها على ما في القسم الثالث من مكارم الأخلاق من ترك العجز بالاعتماد على أخبار الفسقة ، تخاطبا لكل من أقر بالإيمان على طريق الاستنتاج مما مضى ، نادبا إلى الاسترشاد بالعقل الذي نفاه عن أهل الآية السالفة ،
__________________
(١) لم أجده.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
