في رتبة الطاعة أو خارجا عنها ، وهو الفاسق ، والداخل في طاعة المؤمنين السالك لطريقتهم إما أن يكون حاضرا عندهم أو غائبا عنهم ، فهذه خمسة أقسام ، فصل النداء بسببها خمس مرات ، كل مرة لقسم منها ، وافتتح بالله لأن الأدب معه هو الأصل الجامع للكل والأس الذي لا يبنى إلا عليه ، فقال مناديا للمتسمين بأول أسنان القلوب تنبيها على أن سبب نزولها من أفعالهم لا من أفعال أهل الكمال ، فهو هفوة تقال ، وما كان ينبغي أن يقال ، وليشمل الخطاب المعهود للأدنى ـ ولو مع النفاق ـ من فوقه من باب الأولى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي أقروا بالإيمان (لا تُقَدِّمُوا) وحذف المفعول ليعم كل ما يصح تقديمه فيذهب الوهم كل مذهب ، ويجوز أن يكون حذفه من قصد إليه أصلا ، بل يكون النهي موجها إلى نفس التقدمة أي لا تتلبسوا بهذا الفعل ، ويجوز أن يكون من قدم ـ بالتشديد بمعنى أقدم وتقدم أي شجع نفسه على التقدم ، ومنه مقدمة الجيش ، وهم متقدموه ، وأشار إلى تهجين ما نهوا عنه وتصوير شناعته ، وإلى أنهم في القبضة ترهيبا لهم فقال : (بَيْنَ يَدَيِ اللهِ) أي الملك الذي لا يطاق انتقامه.
ولما كان السياق للنهي عن التقديم والتقدم ، وكان مقتضى الرسالة إنفاذ الأوامر والنواهي عن الملك من غير أن يكون من المرسل إليهم اعتراض أصلا ، وبذلك استحق أن لا يتكلم بحضرته في مهم ولا يفعل مهم إلا بإذنه ، لأن العبيد لما لهم من النقص لا استقلال لهم بشيء أصلا ، عبر بالرسول دون النبي بعد أن ذكر اسمه تعالى الأعظم زيادة في تصوير التعظيم فقال : (وَرَسُولِهِ) أي الذي عظمته ظاهرة جدا ، ولذلك قرن اسمه باسمه وذكره بذكره ، فهو تمهيد لما يأتي من تعظيمه ، فالتعبير بذلك إشارة إلى أن النفس إذا خليت وفطرتها الأولى ، امتلأت بمجرد رؤيته هيبة منه ، وإجلالا له ، فلا يفعل أحد غير ذلك إلا بتشجيع منه لنفسه وتكليفها ضد ما تدعو إليه الفطرة الأولى القويمة ، فالمعنى : لا تكونوا متقدمين في شيء من الأشياء والله يقول الحق ويهدي السبيل ، ورسول الله صلىاللهعليهوسلم يبلغ عنه لا ينطق عن الهوى ، فعلى الغير الاقتداء والاتباع ، لا الابتداء والابتداع ، سواء كان النبي صلىاللهعليهوسلم غائبا أو حاضرا بموت أو غيره. فإن آثاره كعينه ، فمن بذل الجهد فيها هدي للأصلح ، (وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا) [العنكبوت : ٦٩]
ولما استعار للدلالة على القدرة التعبير باليدين وصور البينة ترهيبا من انتقام القادر إذا خولف ، صرح بذلك بقوله تعالى : (وَاتَّقُوا اللهَ) أي اجعلوا بينكم وبين غضب الملك الأعظم وقاية ، فإن التقوى مانعة من أن تضيعوا حقه وتخالفوا أمره وتقدموا على شيء لم تعلموا رضاه فيه.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
