المدعون للإرسال من أي مرسل كان ، ولو ثبت ما زعمتموه من الرسالة ولو جئتمونا بما هو أهدى (كافِرُونَ) أي ساترون لما ظهر من ذلك جهدنا حتى لا يظهر لأحد ولا يتبعهم فيه مخلوق.
ولما علم بهذا أن أمرهم وصل إلى العناد المسقط للاحتجاج ، سبب عنه قوله موعظة لهذه الأمة وبيانا لما خصها به من الرحمة : (فَانْتَقَمْنا) أي بما لنا من العظمة التي استحقوا بها (مِنْهُمْ) فأهلكناهم بعذاب الاستئصال ، وعظم أثر النقمة بالأمر بالنظر فيها في قوله : (فَانْظُرْ) أي بسبب التعرف لذلك وبالاستفهام إشارة إلى أن ذلك أمر هو جدير لعظمه بخفاء سببه فقال : (كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ) أي آخر أمر (الْمُكَذِّبِينَ) أي إرسالنا فإنهم هلكوا أجمعون ، ونجا المؤمنون أجمعون ، فليحذر من رد رسالتك من مثل ذلك.
ولما ذكر لهم الأدلة وحذرهم بالأخذ وتحرر أنهم مع التقليد لا ينفكون عنه ، ذكرهم بأعظم آبائهم ومحط فخرهم وأحقهم بالاتباع للفوز بأتباع الأب في ترك التقليد أو في تقليده إن كان لا بد لهم من التقليد لكونه أعظم الآباء ولكونه مع الدليل ، فقال عاطفا على ما تقديره للإشارة إلى تأمله وإمعان النظر فيه : اذكر لهم ذلك : (وَإِذْ) أي واذكر لهم حين (قالَ) أعظم آبائهم ومحط فخرهم والمجمع على محبته وحقية دينه منهم ومن أهل الكتاب وغيرهم (إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ) من غير أن يقلده كما أنتم قلدتم آباءكم ، ولما كانت مخالفة الواحد للجمع شديدة ، ذكر لهم حاله فيها بيانا لأنهم أحق منهم بالانفكاك عن التقليد (وَقَوْمِهِ) الذين كانوا هم القوم في الحقيقة لاحتوائهم على ملك جميع الأرض كما قلت : إنا لكم سواء ولما كانوا لا يتخيلون أصلا أن أحدا يكون مخالفا لهم ، أكد بالحرف وإظهار نون الوقاية فقال : (إِنَّنِي) وزاد بالنعت بالمصدر الذي يستوي فيه الواحد وغيره والمذكر وغيره لكونه مصدرا وإن وقع موقع الصفة باللفظ الدال على أنه مجسد من البراءة جعله على صورة المزيد لزيادة التأكيد فقال : (بَراءٌ) ومن ضمه جعله وصفا محضا مثل طوال في طويل (مِمَّا تَعْبُدُونَ) في الحال والاستقبال مهما كان غير من اشتبه ، فإنهم كانوا مشركين فلا بد من الاستثناء ومن كونه متصلا ، قال الإمام أبو علي الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني في كتاب بيان نظم القرآن ما حاصله : سر قول السلف أن الكلمة هنا أي الآية في قوله كلمة باقية (لا إِلهَ إِلَّا اللهُ) أن النفي والتبرئة واحد فإنني براء بمنزلة لا ، وقوله (مِمَّا تَعْبُدُونَ) بمنزلة إله إذ كل معبود يسمى إلها فآل ذلك إلى : لا إله (إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي) قال : فقد ضممت بهذا التأويل إلى فهمك الأول الذي استفدته من الخبر فهم المعرفة الحقيقية الذي أفاد له طباعك بالعبرة ، ونبه
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
