ولما كان فعلهم هذا من تخلفهم واعتلالهم وسؤالهم الاستغفار ظنا منهم أنهم يدفعون عن أنفسهم بذلك المكروه ويحصلون لها المحبوب وكان كأنه قيل : قد علم كذبهم ، فماذا يقال لهم؟ استأنف سبحانه الجواب بقوله : (قُلْ) أي لهؤلاء الأغبياء واعظا لهم مسبببا عن مخادعتهم لمن لا يخفى عليه خافية إشارة إلى أن العاقل يقبح عليه أن يقدم على ما هو بحيث تخشى عاقبته : (فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ) أيها المخادعون (مِنَ اللهِ) أي الملك الذي لا أمر لأحد معه لأنه لا كفوء له (شَيْئاً) يمنعكم منه (إِنْ أَرادَ بِكُمْ) أي خاصة (ضَرًّا) أي نوعا من أنواع الضرر عظيما أو حقيرا ، فأهلك الأموال والأهلين وأنتم محتاطون في حفظهما فلا ينفعها حضوركم أو أهلككم أنتم (أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً) بحفظهما به مع غيبتكم فلا يضرها بعدكم عنها ، ويحفظكم في أنفسكم ، وقد علم من تصنيفه سبحانه حالهم إلى صنفين مع الإيهام أنه يكون لبعضهم الضر لأن منهم من ارتد في زمن الردة ، ولبعضهم النفع لأنه ثبت على الإسلام.
ولما كان التقدير قطعا : لا أحد يملك منه سبحانه لهم شيئا من ذلك بل هو قادر على كل ما يريد منه ، وفعلكم لما عندكم من الجلافة والغباوة والكثافة فعل من يظن أنه لا يقدر عليكم ولا يعلم كثيرا مما تعملون ، فيخفى عليه كذبكم ، وليس الأمر كما ظننتم فإنه لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ، بنى عليه ما أرشد إلى تقديره فقال تعالى : (بَلْ كانَ اللهُ) أي المحيط أزلا وأبدا بكل شيء قدرة علما (بِما تَعْمَلُونَ) أي الجهلة (خَبِيراً) أي يعلم بواطن أموركم هذه وغيرها كما يعلم ظواهرها.
ولما أضرب عن ظنهم أن كذبهم يخفى عليه بأمر عام ، وقدمه لأنه أعم نفعا بما فيه من الشمول ، أتبعه الإضراب عن مضمون كلامهم فقال : (بَلْ) أي ليس تخلفكم لما أخبرتم به من الاشتغال بالأهل والأموال (ظَنَنْتُمْ) وأنتم واقفون مع الظنون الظاهرة ، ليس لكم نفوذ إلى البواطن ، وأشار إلى تأكد ظنهم على زعمهم فقال : (أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ) ولما كان الكلام فيما هو شأن الرسول من الانبعاث والمسير ، قال مشيرا إلى أن من أرسل رسولا إلى شيء وهو لا يقدر على نصره ليبلغ ذلك الشيء إلى الغاية التي أرادها منه كان عاجزا عما يريد : (الرَّسُولُ) وعظم التابعين فقال : (وَالْمُؤْمِنُونَ) معبرا بما يحق لهم من الوصف المفهم للرسوخ وأفهم تأكيد ذلك عندهم بقوله تعالى : (إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً) أي لما في قلوبكم من عظمة المشركين وحقارة المؤمنين فحملكم ذلك على أن قلتم : ما هم في قريش إلا أكلة رأس.
ولما كان الإنسان قد يظن ما لا يجب ، قال مشيرا بالبناء للمفعول إلى أن ما حوته قلوبهم مما ينبغي أن ينزه سبحانه وتعالى عن نسبته إليه وإن كان هو الفاعل له في
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
