سلوكها ، فما دافعوكم عن الدخول عليهم إلا بالراح ، وسألوكم في وضع الحرب للدعة والإصلاح ، فقد ظهرت أعلام الفتح أتم ظهور ، وعلم أرباب القلوب أنه لا بد أن تكون في امتطائكم الذرى وسموكم إلى رتب المعالي أمور وأيّ أمور ، وروى الإمام أحمد عن مجمع بن جارية الأنصاري رضي الله عنه قال : شهدنا الحديبية مع النبي صلىاللهعليهوسلم ، فلما انصرفنا منها إذا الناس يهزون الأباعر فقال بعضهم : ما بال الناس؟ قالوا : أوحي إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، قال : فخرجنا نوجف ، فوجدنا النبي صلىاللهعليهوسلم واقفا على راحلته عند كراع الغميم ، فلما اجتمع عليه الناس قرأ (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً) فقال عمر رضي الله عنه : أو فتح هو يا رسول الله؟ قال : نعم ، والذي نفسي بيده (١).
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : ارتباط هذه السورة بالتي قبلها واضح من جهات ـ وقد يغمض بعضها ـ منها أن سورة القتال لما أمروا فيها بقتال عدوهم في قوله تعالى (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ) الآية ، وأشعروا بالمعونة عند وقوع الصدق في قوله (إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ) استدعى ذلك تشوف النفوس إلى حال العاقبة فعرفوا ذلك في هذه السورة فقال تعالى (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً) ـ الآيات ، فعرف تعالى نبيه صلىاللهعليهوسلم بعظيم صنعه له ، وأتبع ذلك بشارة المؤمنين العامة فقال (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ) ـ الآيات ، والتحمت إلى التعريف بحال من نكث من مبايعته صلىاللهعليهوسلم ، وحكم المخلفين من الأعراب ، والحض على الجهاد ، وبيان حال ذوي الأعذار ، وعظيم نعمته سبحانه على أهل بيعته (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ) وأثابهم الفتح وأخذ المغانم وبشارتهم بفتح مكة (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ) إلى ما ذكر سبحانه من عظيم نعمته عليهم وذكرهم في التوراة والإنجيل ما تضمنت هذه السورة الكريمة ، ووجه آخر وهو أنه لما قال الله تعالى في آخر سورة القتال (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ) كان هذا إجمالا في عظيم ما منحهم وجليل ما أعطاهم ، فتضمنت سورة محمد تفسير هذا الإجمال وبسطه ، وهذا يستدعي من بسط الكلام ما لم تعتمده في هذا التعليق ، وهو بعد مفهوم مما سبق من الإشارات في الوجه الأول ، ووجه آخر مما يغمض وهو أن قوله تعالى (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ) إشارة إلى من يدخل في ملة الإسلام من الفرس وغيرهم عند تولي العرب ، وقد أشار أيضا إلى هذا قوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة : ٥٤] وأشار إلى ذلك عليه الصلاة
__________________
(١) أخرجه أحمد ١٥٠٤٤ والحاكم ٢ / ٤٥٩ عن مجمع بن جارية الأنصاري رضي الله تعالى عنه.
وفي إسناده يعقوب قال ابن حجر : مقبول ـ أي حيث يتابع ـ ولم يتابع.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
