ما هم (إِلَّا يَخْرُصُونَ) أي يكذبون في هذه النتيجة التي زعموا أنها دلتهم على رضى الله سبحانه لكفرهم فإنها مبنية على أنه سبحانه لا يشاء إلا ما هو حق ، والذي جرأهم على ذلك أنهم يجددون على الدوام القول بغير تثبت ولا تحر ، فكان أكثر قولهم كذبا ، فصاروا لذلك يجترئون على تعمد القول للظن الذي لا يأمن صاحبه من الوقوع في صريح ، وسيأتي تمام إبطال هذه الشبهة بقوله تعالى (قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ) وأن ذلك هو المراد لا ما طال الخبط فيه لإهمال في السوابق واللواحق الموجبة لسوق المقال ، مطابقا لمقتضى الحال ، وقد جهلوا في هذا الكلام عدة جهالات : ادعاء الولدية للغني المطلق ، وكون الولد أدنى الصنفين ، وعبادتهم لهم مع أنفسهم منهم بغير دليل ، واحتياجهم على صحة فعلهم بتقدير علم على ذلك وهو قد نهاهم عنه بلسان كل رسول ، وظنهم أنه لا يشاء إلا ما هو الحق المؤدي إلى الجمع بين النقيضين إذ لا ريب فيه ولا خفاء به.
ولما كان الإيمان بالملائكة الذين هم جند الملك من دعائم أصول الدين ، وكان الإيمان بالشيء إن لم يكن على ما هو عليه الشيء ولو بأدنى الوجوه كان مختلا ، وأخبر سبحانه أنهم وصفوهم بغير ما هم عليه ففرطوا بوصفهم بالبنات حتى أنزلوهم إلى الحضيض وأفرطوا بالعبادة حتى أعلوهم عن قدرهم فانسلخوا في كلا الأمرين من صريح العقل بما أشار إليه ما مضى ، أتبع ذلك أنهم عريئون (١) أيضا من صحيح النقل ، فقال معادلا لقوله (أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ) إنكارا عليهم بعد إنكار ، موجبا ذلك أعظم العار ، لافتا القول عن الوصف بالرحمة تنبيها بمظهر العظمة على أن حكمه تعالى متى برز لم يسع سامعه إلا الوقوف عنده والامتثال على كل حال وإلا حل به أعظم النكال : (أَمْ آتَيْناهُمْ) بما لنا من العظمة (كِتاباً) أي جامعا لما يريدون اعتقاده من أقوالهم هذه (مِنْ قَبْلِهِ) أي القرآن أخبرناهم فيه أنا جعلناهم إناثا وأنا لا نشاء إلا ما هو حق نرضاه ونأمر به (فَهُمْ) أي فتسبب عن هذا الإيتاء أنهم (بِهِ) أي وحده (مُسْتَمْسِكُونَ) أي موجدون الاستمساك به وطالبون للثبات عليه في عبادة غير الله ، وفي أن ذلك حق لكونه لم يعاجلهم بالعقوبة ، وفي وصفهم الملائكة بالأنوثة ، وفي غير ذلك من كل ما يرتكبونه باطلا ، والإنكار يقتضي نفي ما دخل عليه من إيتاء الكتاب كما انتفى إشهاده لهم خلقهم ، وهذه المعادلة التي لا يشك فيها من له بصر بالكلام تدل على صحة كون الإشارة في (ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ) شاملة لدعواهم الأنوثة في الملائكة.
__________________
(١) أي عريّون. يقال : كلام عار عن الصحة : أي غير صحيح.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
