في إحباط أعمالهم فيصيرون مفردين عنها لأنكم لم تبطلوا أعمالكم بجعل الدنيا محط أمركم ، فلا يجوز لإمام المسلمين أن يجيب إلى مسالمة الكفار وبه قوة على مدافعتهم ، ولا يحل له ترك الجهاد إلا لمعنى يظهر فيه النظر للمسلمين ، ومتى لم يجاهد في سبيل الله انصرف بأسه إلى المسلمين.
ولما أتم العلة الأولى أقبل على الثانية الصادة عن الطاعة القائدة إلى المعصية الملائمة للشهوة المبطلة للأعمال الموجبة للتهاون المؤدي إلى عدم المغفرة ، فقال مرغبا في طاعته الموجبة للفوز الدائم ببيان قصر أيام المحنة وتجرع مرارات المشقة : (إِنَّمَا الْحَياةُ) وأشار إلى دناءتها تنفيرا عنها بقوله : (الدُّنْيا) ولما كان مطلق العلو موجبا لأعظم اللذاذة فكيف إذا كان موجبه الدين الضامن لدوام اللذة موصولا دنيويها بأخرويها ، وكان اللعب ما ينشأ من زيادة البسط وينقضي بسرعة مع دلالته على الخفة كالرقص ، قدمه إشارة إلى أن العاقل من يسعى في زيادة بسط يحمل على الرزانة ويدوم ، وأتبعه اللهو لأنه ما يستجلب به السرور كالغنا إشارة إلى أنه إن كان المراد بالدنيا زيادة بسطها فهو ينقضي بسرعة ، مع ما فيه من الرعونة ، وإن كان المراد أصل البسط والسرور فعندكم منه بالعلو الحاصل لكم بالجهاد ما هو في غاية العظمة والجد والثبات فلا سفه أعظم من العدول عنه إلى ما إن سر حمل على الطيش وانقضى بسرعة ، فقال : (لَعِبٌ) أي أعمال ضائعة سافلة تزيد في السرور ويسرع اضمحلاله ، فيبطل من غير ثمرة (وَلَهْوٌ) أي مشغلة يطلب بها إثارة اللذة كالغنا وحيرة وغفلة ، فإن تتبعوها تكفروا وتبطروا وتجترئوا على الله ، وإن تكفروا به وتجترئوا عليه تبطل أجوركم فلا يكون لكم أجر ولا مال لأنه يبطل أعمالكم وأموالكم بكونها تصير صورا لا معاني لها.
ولما صور سبحانه الدنيا بألذ صورها عند الجاهل وأمضها عند العاقل ، وحاصله أنها زيادة سرور لمن كان مسرورا ، واستجلاب له لمن كان مضرورا ، لكنه سريع الانصرام بخلاف ثمرة الاجتماع على الدين من سرور العلو بالإسلام ، فإنه باق على الدوام ، علم أن التقدير بناء على ما تبع وصف الدنيا ، والآخرة جد وعمل وحضور فإن تقبلوا عليها تؤمنوا وتتقوا فلا تخدعنكم الدنيا على دناءتها عن نيل الآخرة بالجهاد الأكبر والأصغر على شرفها وشرفه ، قال بانيا على ما أرشد السياق إلى تقديره : (وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا) أي تخافوا فتجعلوا بينكم وبين غضبه سبحانه وقاية من جهاد أعدائه ومقاساة لفح إيقاد الحروب وحر الأمر بالمعروف وإنفاق الأموال في ذلك ، فتكونوا جادين فتتركوا اللهو واللعب القائدين إلى الكفر (يُؤْتِكُمْ) أي الله الذي فعلتم ذلك من أجله في
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
