وذكرت الأخرى في الفتح تالية ، وسميت سورة هذه بالقتال وسورة الكلمة المحمدية بالفتح إشارة إلى أنه ما قاتل أحد عليهما مع الإخلاص إلا فتح عليه ولا يقدر أحد على مخالفته مع مناصبته إلا نفاقا على وجه الذل والاضطراب.
ولما كان حصول التوحيد الذي هو كمال النفس موجبا للإجابة كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عند الترمذي وأبي يعلى «ما من مؤمن يدعو الله بدعوة إلا استجيب له ما لم يكن إثما أو قطيعة رحم» (١) الحديث ، قال معلما أنه يجب على الإنسان بعد تكميل نفسه السعي في تكميل غيره ليحصل التعاون على ما خلق العباد له. (وَاسْتَغْفِرْ) أي اطلب الغفران من الله بعد العلم بأنه لا كفوء له بالدعاء له وبالاجتهاد في الأعمال الصالحة (لِذَنْبِكَ ،) وهو كل مقام عال ارتفعت عنه إلى أعلى منه ، وأوجده أنت من نفسك لمن أساء إليك لتكثر أتباعك ، فإن الاستقامة مهيئة للإمامة.
ولما كان تكميل النفس مرقيا إلى تكميل الغير ليكون له مثل أجره ، قال تعالى مبينا لهذه النعمة العظيمة والمنة الجسيمة معيدا للجار معبرا بالإيمان والوصف إيذانا بأن أعلى الأمة محتاج إلى ذلك ، لأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره ، وهذا مشرفا لهذه الأمة حيث أمر الشفيع المجاب الدعوة بالاستغفار لهم وهو بالدعاء والحث على الاجتهاد في الأعمال الصالحة ، حاذفا المضاف إشارة إلى الاحتياج إلى المغفرة في كل حال لما للإنسان من النقصان بالخطأ والنسيان : (وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) أي الراسخين في الإيمان لأنهم أحق الناس بذلك منك لأن ما عملوا من خير كان لك مثل أجره ، ولا يخلو أحد منهم من تقصير في المعارف الإلهية والعمل بموجبها أو هفوة.
ولما كان معرفة من يذنب ومن لا يذنب متوقفة على إحاطة العلم ، قال عاطفا على ما تقديره : فالله يعلم حركاتكم وسكناتكم سرا وجهرا ويعلم أنكم لا بد أن تعملوا ما جبلكم عليه من ذنب وهو يغفر لمن أراد ممن يسعى في كمال نفسه وتكميل غيره بغسل الذنوب ، بالرجوع إلى طاعة علام الغيوب : (وَاللهُ) المحيط بجميع صفات الكمال (يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ) أي تقلبكم ومكانه وزمانه (وَمَثْواكُمْ) أي موضع سكونكم وقراره للراحة وكل ما يقع فيه من الثواء في وقته ـ في الدنيا والآخرة من حين كونكم نطفا إلى ما لا آخر له.
(وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ
__________________
(١) تقدم آنفا.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
