مفصلا : (فَإِمَّا مَنًّا) أي أن ينعموا عليهم إنعاما (بَعْدُ) أي في جميع أزمان ما بعد الأسر باستبقائهم ثم بعد الإنعام باستبقائهم إما أن يكون ذلك مع الاسترقاق أو مع الإطلاق ثم الإطلاق إما مجانا (وَإِمَّا فِداءً) بمال أو بأسرى من المسلمين ونحو ذلك ، فأفهم التعبير بالمن الذي معناه الإنعام أن الإبقاء غير واجب بكل جائز ، ودخل في الإبقاء ثلاث صور : الاسترقاق والإطلاق مجانا وبالفداء فصرح سبحانه وتعالى بالفداء الذي معناه الأخذ على وجه أنه قسيم للمن ، فعلم أن المراد به الإبقاء مع عدم الأخذ فدخل فيه الإطلاق مجانا وهو واضح والاسترقاق لأنه إنعام بالنسبة إلى القتل ، وأفهم التعبير بالمن الذي معناه الإنعام من المنان الذي هو اسمه تعالى ومعناه المعطي ابتداء جواز القتل لأن الإنعام مخير فيه لا واجب لأنه لو كان واجبا كان حقا لا نعمة ، فقد دخلت السور الأربع في التعبير بهاتين الكلمتين ـ والله الهادي ، وكل هذا على ما يراه الإمام أو نائبه مصلحة ، قال القشيري : كذلك حال المجاهدة مع النفس إذا كان في إغفاء ساعة وإفطار يوم ترويح للنفس من الكد وقوة على الجهد فيما يستقبل من الأمر على ما يحصل به الاستصواب من شيخ المريد وفتوى لسان الوقت أو فراسة صاحب المجاهدة ـ انتهى. وقد أفهم هذا السياق أن هذا الحكم ثابت غير منسوخ والأمر بالقتل وحده في غيرها من الآيات عام غير مخصوص بما أفهمته الغاية من أن التقدير : والجهاد على هذه الصفة باق وماض مع كل أمير برا كان أو فاجرا ، لا يزال طائفة من الأمة قائمين به ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ، وهو ـ والله أعلم ـ المراد بقوله تعالى : (حَتَّى) أي افعلوا ما أمرتكم به على ما جددت لكم إلى أن (تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها) وهي أثقالها أي الآلات التي تثقل القائمين بها من النفقات والسلاح والكراع ونحوه ، وذلك لا يكون وفي الأرض كافر ، وذلك على زمن عيسى عليه الصلاة والسّلام حين تخرج الأرض بركاتها ، وتكون الملة واحدة وهي الإسلام لله رب العالمين ، فيتخذ الناس حديد السلاح سككا ومناجل وفؤوسا ينتفعون بها في معاشهم كما ورد في الحديث : الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال ـ رواه في الفردوس عن أنس رضي الله عنه الجهاد واجب عليكم مع كل بر وفاجر (١) رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه (٢).
__________________
(١) أخرجه أيضا أبو داود عن أنس رضي الله تعالى عنه بنحو هذا برقم ٢٥٣٢ وفيه ابن أبي شيبة مجهول ، والحديث معلول أيضا فالرجل المذكور لم يسمع من الصحابة.
(٢) أخرجه أبو داود ٢٥٣٣ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، وفي إسناده ضعف ، العلاء فيه ضعف ، وكان اختلط ، وفيه انقطاع مكحول لم يسمع من أبي هريرة.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
