الخلق إلا لأجله ليختم بما بدأ به (إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ) أي هو أهل لأن تتعلق القدرة به (قَدِيرٌ).
ولما ثبت البعث بما قام من الدلائل ذكر ببعض ما يحصل في يومه من الأهوال تحذيرا منه ، فقال عاطفا على ما تقديره : اذكر لهم هذا القياس الناطق بالمراد وما مضى في هذه السورة من الزواجر (وَيَوْمَ) أي واذكر يوم (يُعْرَضُ) بأيسر أمر من أوامرنا (الَّذِينَ كَفَرُوا) أي ستروا بغفلتهم وتماديهم عليها هذه الأدلة الظاهرة (عَلَى النَّارِ) عرض الجند على الملك فيسمعوا من تغيظها وزفيرها ويروا من لهيبها واضطرامها وسعيرها ما لو قدر أن أحدا يموت من ذلك لماتوا من معاينته وهائل رؤيته.
ولما كان كأنه قيل : ماذا يصنع بهم في حال عرضهم؟ قيل : يقال على سبيل التبكيت والتقريع والتوبيخ : (أَلَيْسَ هذا) أي الأمر العظيم الذي كنتم به توعدون ولرسلنا في أخبارهم تكذبون (بِالْحَقِ) أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع ، فلا قدرة لكم على صليه أمر هو خيال وسحر ، فلا تبالون بوروده.
ولما اشتد تشوف السامع العالم بما كانوا يبدون من الشماخة والعتو إلى جوابهم ، قال في جوابه مستأنفا : (قالُوا) أي مصدقين حيث لا ينفع التصديق : (بَلى) وما كفاهم البدار إلى تكذيب أنفسهم حتى أقسموا عليه لأن حالهم كان مباعدا للإقرار ، وذكروا صفة الإحسان زيادة في الخضوع والإذعان (وَرَبِّنا) أي إنه لحق هو من أثبت الأشياء ، وليس فيه شيء مما يقارب السحر ، ثم استأنف جواب من سأل عن جوابه لهم بقوله تعالى : (قالَ) مبكتا لهم بيانا لذلهم موضع كبرهم الذي كان في الدنيا مسببا عن تصديقهم هذا الذي أوقعوه في غير موضعه وجعلوه في دار العمل التي مبناها على الإيمان بالغيب تكذيبا معبرا بما يفهم غاية الاستهانة لهم : (فَذُوقُوا الْعَذابَ) أي باشروه مباشرة الذائق باللسان ، ثم صرح بالسبب فقال : (بِما كُنْتُمْ) أي خلقا وخلقا مستمرا دائما أبدا (تَكْفُرُونَ) في دار العمل.
ولما علم بما قام من الأدلة وانتصب من القواطع أن هذا مآلهم ، سبب عنه قوله ردا على ما بعد خلق الخافقين في مطلعها من أمر الرسول صلىاللهعليهوسلم ونسبتهم له إلى الافتراء وما بعده : (فَاصْبِرْ) أي على مشاق ما ترى في تبليغ الرسالة ، قال القشيري : والصبر هو الوقوف بحكم الله والثبات من غير بث ولا استكراه. (كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ) أي الجد في الأمر والحزم في الجد والإرادة المقطوع بها والثبات الذي لا محيد عنه ، الذين مضوا في أمر الله مضيا كأنهم أقسموا عليه فصاروا كالأسد في جبلته والرجل الشديد
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
