(فَلَوْ لا) أي فهل لا ولم لا (نَصَرَهُمُ) أي هؤلاء المهلكين (الَّذِينَ اتَّخَذُوا) أي اجتهدوا في صرف أنفسهم عن دواعي العقل والفطر الأولى حتى أخذوا ، وأشار إلى قلة عقولهم ببيان سفولهم فقال : (مِنْ دُونِ اللهِ) أي الملك الذي هو أعظم من كل عظيم (قُرْباناً) أي لأجل القربة والتقريب العظيم يتقربون إليها ويزعمون أنها تقربهم إلى الله (آلِهَةً) أشركوهم مع الملك الأعظم لأجل ذلك ـ قاتلهم الله وأخزاهم.
ولما كان التخصيص يفهم أنهم ما نصروهم ، أضرب عنه فقال : (بَلْ ضَلُّوا) أي غابوا وعموا عن الطريق الأقوم وبعدوا (عَنْهُمْ) وقت بروك النقمة وقروع المثلة حسا ومعنى. ولما كان التقدير : فذلك الاتخاذ الذي أدتهم إليه عقولهم السافل جدا البعيد من الصواب كان الموصل إلى مآلهم هذا ، عطف عليه قوله : (وَذلِكَ) أي الضلال البعيد من السداد الذي تحصل من هذه القصة من إخلاف ما كانوا يقولون : إن أوثانهم آلهة ، وإنها تضر وتنفع وتقربهم إلى الله وتشفع لهم عنده (إِفْكُهُمْ) أي صرفهم الأمور عن وجهها إلى أقفائها ، ويجوز أن تكون الإشارة إلى العذاب ، أي وهذا العذاب جزاؤهم في مقابلة إفكهم (وَما كانُوا) أي على وجه الدوام لكونه في طباعهم (يَفْتَرُونَ) أي يتعمدون كذبه لأن إصرارهم عليه بعد مجيء الآيات لا يكون إلا لذلك لأن من نظر فيها مجردا نفسه عن الهوى اهتدى.
ولما كان ما ذكر من البعد من الإيمان مع تصريف العظات والعبر والآيات يكاد أن يؤنس السامع من إيمان هؤلاء المدعوين ، قربه دلالة على عزته وحكمته بالتذكير بالإيمان من هم أعلى منهم عتوا وأشد نفرة وأبعد إجابة وأخفى شخصا ، فقال جوابا عما وقع له صلىاللهعليهوسلم في عرض نفسه الشريفة على القبائل وإبعادهم عنه لا سيما أهل الطائف ، دالا على تمام القدرة بشارة للمنزل عليه صلىاللهعليهوسلم وتوبيخا لمن تأخر عن إجابته من قومه عاطفا على ما تقديره : اذكر هذه الأخبار : (وَإِذْ) أي واذكر حين (صَرَفْنا إِلَيْكَ) أي وجهنا توجيها خالصا حسنا متقنا فيه ميل إليك وإقبال عليك ، وإعراض عن غيرك ، بوادي نخلة عند انصرافك من الطائف حين عرضت نفسك الشريفة عليهم بعد موت النصيرين فردوك ردا تكاد تنشق منه المرائر ، وتسل من تذكاره النواظر.
ولما كان استعطاف من جبل على النفرة وإظهار من بني على الاجتنان أعظم في النعمة ، عبر بما يدل على ذلك فقال : (نَفَراً) وهو اسم يطلق على ما دون العشرة ، وهو المراد هنا ، ويطلق على الناس كلهم ، وحسن التعبير به أن هؤلاء لما خصوا بشرف السبق وحسن المتابعة كانوا كأنهم هم النفر لا غيرهم (مِنَ الْجِنِ) من أهل نصيبين من الناحية التي منها عداس الذي جبرناك به في الطائف بما شهد به لسيديه عتبة وشيبة ابني
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
