«فصلت» (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ) [فصلت : ٥٢] فالآية من الاحتباك : ذكر الإيمان أولا دليلا على ضده ثانيا ، والاستكبار والظلم وعدم الهداية ثانيا دليلا على أضدادها أولا ، وسره أنه ذكر سببي السعادة ترغيبا وترهيبا.
ولما دل على أن تركهم للإيمان إنما هو تعمد للظلم استكبارا ، عطف على قولهم (إنه ساحر) ما دل على الاستكبار فقال تعالى : (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي تعمدوا تغطية الحق (لِلَّذِينَ) أي لأجل إيمان الذين (آمَنُوا) إذ سبقوهم إلى الإيمان : (لَوْ كانَ) إيمانهم بالقرآن وبهذا الرسول (خَيْراً) أي من جملة الخيور (ما سَبَقُونا إِلَيْهِ) ونحن أشرف منهم وأكثر أموالا وأولادا وأعلم بتحصيل العز والسؤدد الذي هو مناط الخير فكأن لم يسبقونا إلى شيء من هذه الخيرات التي نحن فائزون بها وهم صفر منها ، لكنه ليس بخير ، فلذلك سبقوا إليه فكان حالهم فيه حالهم فيما هو محسوس من أمورهم في المال والجاه.
ولما أخبر عما قالوا حين سبقهم غيرهم ، أخبر عما يقولون عند تعمد الإعراض عنه فقال : (وَإِذْ) أي وحين (لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ) يقولون عنادا وتكبرا وكفرا : لو كان هدى لأبصرناه ولم يعلموا أنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور.
ولما كان التقدير : فإن قيل لهم : فما هو؟ أجابه بقوله مسببا عن هذا المقدر علما من أعلام النبوة : (فَسَيَقُولُونَ) بوعد لا خلف فيه لأن الناس أعداء ما جهلوا ولأنهم لم يجدوا على ما يدعونه من أنه لو كان خيرا لسبقوا غيرهم إليه دليلا : (هذا) أي الذي سبقتم إليه (إِفْكٌ) أي شيء مصروف عن وجهه إلى قفاه (قَدِيمٌ) أفكه غيره وعثر هو عليه فأتى به ونسبه إلى الله.
ولما كان هذا الكلام ساقطا في نفسه لما قام من الأدلة الباهرة على صدق القرآن وكان الوقوف مع المحسوسات غالبا عليهم لعدم نفوذهم في المعقولات ، دل على بطلانه لموافقة القرآن لأعظم الكتب القديمة التوراة التي اشتهر أنها من عند الله وأن الآتي بها كلم وقد صدقه الله في الإتيان بها بما لم يأت به نبي قبله من المعجزات والآيات البينات وهم يستفتون أهلها ، فقال على وجه التبكيت لهم والتوبيخ : (وَمِنْ) أي قالوا ذلك والحال أنه كان في بعض الزمن الذي من (قَبْلِهِ) أي القرآن العظيم الذي حرموا تدبر آياته وحل مشكلاته وأعجزهم فصاحته (كِتابُ مُوسى) كلم الله وصفوته عليه الصلاة والسّلام وهو التوراة التي كلمه الله بها تكليما حال كون كتابه (إِماماً) أي يستحق أن يؤمه كل من سمع به في أصول الدين مطلقا وفي جميع ما فيه قبل تحريفه
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
