واعتبارات لأنه أثبت أنه كله حق ، ونفى عنه كل باطل ، فقال خطابا لأهل الأوثان من سائر الأديان الصابية والمجوس وغيرهم الذين افتتحت السورة بهم وختمت بالفسق الجامع لهم الموجب لكفرهم : (تَنْزِيلُ الْكِتابِ) أي الجامع لجميع الخيرات بالتدريج على حسب المصالح (مِنَ اللهِ) أي الجبار المتكبر المختص بصفات الكمال الذي هو الحمد بما دلت عليه ربوبيته ، وختم بقوله : (الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) تقريرا لأنه لم يضع شيئا إلا في أوفق محاله ، وأنه الخالق للشر كما أنه الخالق للخير ولجميع الأفعال وأنه يعز أولياءه ويذل أعداءه ويحكم أمر دينه فيظهره على الدين كله من غير أن يقدر أحد على معارضته في شيء منه فصارت آية الجاثية مقدمة لهذه وهذه نتيجة.
ولما ثبت في الجاثية مضمون قوله تعالى في الدخان (وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ) بما ذكر فيهما من الآيات والمنافع والحكم ، أثبت هنا مضمون ما بعد ذلك بزيادة الأجل فقال دالا على عزته وحكمته : (ما خَلَقْنَا) أي على ما لنا من العظمة الموجبة للتفرد بالكبرياء (السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) على ما فيهما من الآيات التي فصل بعضها في الجاثية. ولما كان من المقاصد هنا الرد على المجوس وغيرهم ممن ثبت خلقا لغير الله قال : (وَما بَيْنَهُما) أي من الهواء المشحون بالمنافع وكل خير وكل شر من أفعال العباد وغيرهم ، وقال ابن برجان في تفسيره : جميع الوجود أوله وآخره نسخة لأم الكتاب والسماوات والأرض إشارة إلى بعض الوجود ، وبعضه يعطي من الدلالة على المطلوب ما يعطيه الكل بوجه ما ، غير أن علا أصح دلالة وأقرب شهادة وأبين إشارة ، وما صغر من الموجودات دلالته مجملة يحتاج المستعرض فيه إلى التثبت وتدقيق النظر والبحث ـ انتهى. (إِلَّا بِالْحَقِ) أي الأمر الثابت من القدرة التامة والتصرف المطلق ، فخلق الباطل بالحق لأنه تصرف في ملكه الذي لا شائبة لغيره فيه للابتلاء والاختبار للمجازاة بالعدل والمن بالفضل إلى غير ذلك من الحكم التي لا يعلمها سواه ، وفي خلق ذلك على هذا الوجه أعظم دلالة على وجود الحق سبحانه ، وأنه واحد لا شريك له ، ودل على قهره بقوله : (وَأَجَلٍ مُسَمًّى) أي لبعث الناس إلى دار القرار لفصل أهل الجنة من أهل النار ، وفناء الخافقين وما نشأ عنهما من الليل والنهار.
ولما كان التقدير : وأمرنا الناس بالعمل في ذلك الأجل بطاعتنا ووعدناهم عليها جنان النعيم ، فالذين آمنوا على ما أنذروا مقبلون ، ومن غوائله مشفقون ، فهم بطاعتنا عاملون ، عطف عليه ما السياق له من قوله : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) أي ستروا من أعلام الدلائل ما لو خلوا أنفسهم وما فطرناها عليه لعلموه فهم لذلك (عَمَّا أُنْذِرُوا) ممن هم
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
