قال أبو حيان : ولا يستعمل إلا في المكروه. (ما كانُوا) جبلة وخلقا (بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) أي يوجدون الهزء به على غاية الشهوة واللذة إيجاد من هو طالب لذلك (وَقِيلَ) أي لهم على قطع الأحوال وأشدها قولا لا معقب له ، فكأنه بلسان كل قائل : (الْيَوْمَ نَنْساكُمْ) أي نفعل معكم بالترك من جميع ما يصلحكم فعل المنسي الذي نقطع عنه جميع إحساننا فيأتيه كل شر (كَما نَسِيتُمْ) وأضاف المصدر إلى ظرفه لما فيه من الرشاقة والبلاغة فقال تعالى : (لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا) أي الذي عملتم في أمره عمل الناسي له ، ومن نسي لقاء اليوم نسيء لقاء الكائن فيه بطريق الأولى ، وقد عابهم الله سبحانه تعالى بذلك أشد العيب لأن ما عملوه ليس من فعل الحزمة أن يتركوا ما ضرره محتمل لا يعتدون له ، وإنما هذا فعل الحمق الذين هم عندهم أسقاط لا عبرة بهم ولا وزن لهم ، وعبر بالنسيان لأن علمه مركوز في طبائعهم ، وعبر في فعله بالمضارع ليدل على الاستمرار ، وفي فعلهم بالماضي ليدل على أن من وقع منه ذلك وقتا ما وإن قل كان على خطر عظيم بتعريض نفسه لاستمرار الإعراض عنه.
ولما كان تركه على هذا الحال يلزم منه استمرار العذاب ، صرح به إيضاحا له لئلا يظن غير ذلك ، فقال مبينا لحالهم : (وَمَأْواكُمُ النَّارُ) ليس لكم براح عنها أصلا ، لأن أعمالكم أدخلتكموها ، ولا يخرج منها إلا من أذنا في إخراجه ، نحن قد جعلناكم في عداد المنسي فلا يكون من قبلنا لكم فرج (وَما لَكُمْ) في نفس الأمر سواء أفكرتم وأنتم مكذبون في مدافعة هذا اليوم أو تركتموه ترك المنسي (مِنْ ناصِرِينَ) ينقذونكم من ذلك بشفاعة ولا مقاهرة.
ولما ذكر جزاءهم على ما هو الحق المساوي لأعمالهم طبق الفعل بالفعل ، علله بما لزم على أعمالهم فقال : (ذلِكُمْ) أي العذاب العظيم (بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ) أي بتكليف منكم لأنفسكم وقسر على خلاف ما أدى إليه العقل ، وجاءت به الرسل ، وساعدت عليه الفطر الأول (آياتِ اللهِ) أي الملك الأعظم الذي لا شيء أعظم منه (هُزُواً) أي جعلتموها عين ما أنزلت للإبعاد منه (وَغَرَّتْكُمُ) لضعف عقولكم (الْحَياةُ الدُّنْيا) أي الدنية فآثرتموها لكونها حاضرة وأنتم كالبهائم لا يعدو نظركم المحسوس فقلتم : لا حياة غيرها ولا بعث ولا حساب ، ولو تعقلتم وصفكم لها لأداكم إلى الإقرار بالأخرى.
ولما أوصلهم إلى هذا الحد من الإهانة ، سبب عنه زيادة في إهانتهم وتلذيذا لأوليائه الذين عادوهم فيه وإشماتا لهم بهم : (فَالْيَوْمَ) بعد إيوائهم فيها (لا يُخْرَجُونَ) بمخرج ما (مِنْها) لأن الله لا يخرجهم ولا يقدر غيره على ذلك (وَلا هُمْ) خاصة (يُسْتَعْتَبُونَ) أي يطلب من طالب ما منهم الإعتاب ، وهو الاعتذار بما يثبت لهم
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
