يخلطها غيرها ، وهي مع ذلك باركة على الركب رعبا واستيفازا لما لعلها تؤمر به ، جلسة المخاصم بين يدي الحاكم ، ينتظروا القضاء الحاتم ، والأمر الجازم اللازم ، لشدة ما يظهر لها من هول ذلك اليوم. ولما كان كأن قيل : هم مستوفزون ، قال : (كُلَّ أُمَّةٍ) أي من الجاثين (تُدْعى إِلى كِتابِهَا) أي الذي أنزل إليها وتعبدها الله به والذي نسخته الحفظة من أعمالها ليطبق أحدهما بالآخر ، فمن وافق كتابه ما أمر به من كتاب ربه نجا ، ومن خالفه هلك ، ويقال لهم حال الدعاء : (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ) على وفق الحكمة بأيسر أمر (ما) أي عين الذي (كُنْتُمْ) بما هو لكم كالجبلات (تَعْمَلُونَ) أي مصرين عليه غير راجعين عنه من خير أو شر.
ولما أخبر بالجزاء ، بين كيفية ما به يطبق بين كتاب الإنزال وكتاب الأعمال ، فما حكم به كتاب الإنزال أنفذه الكبير المتعال ، فقال مشيرا إلى كتاب الإنزال بأداة القريب لقربه وسهولة فهمه : (هذا كِتابُنا) أي الذي أنزلناه على ألسنة رسلنا (يَنْطِقُ) أي يشهد شهادة هي في بيانها كالنطق (عَلَيْكُمْ بِالْحَقِ) أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع من أعمالكم ، ذلك بأن يقول : من عمل كذا فهو كافر ، ومن عمل كذا فهو عاص ، ومن عمل كذا فهو مطيع ، فيطبق ذلك على ما عملتموه فإذا الذي أخبر به الكتاب مطابق لأعمالكم لا زيادة فيه ولا نقص ، كل كلي ينطبق على جزئيه سواء بسواء كما نعطيكم علم ذلك في ذلك اليوم ، فينكشف أمر جبلاتكم وما وقع منكم من جزئيات الأفعال لا يشذ عنه منه ذرة ، وتعلمون أن هذا الواقع منكم مطابق لما أخبر به الكتاب الذي أنزلناه ، فهو حق لأن الواقع طابقه ، هذا نطقه عليكم ، وأما نطقه لكم فالفضل : الحسنة بعشر أمثالها إلى ما فوق ذلك.
ولما كانت العادة جارية في الدنيا بإقامة الحقوق بكتابة الوثائق ، وكانوا كأنهم يقولون : من يحفظ أعمالنا على كثرتها مع طول المدة وبعد الزمان ، وكانوا ينكرون أمر الحفظة وغيره مما أتت به الرسل ، أكد قوله مجيبا بما يقرب إلى عقل من يسأل عن ذلك : (إِنَّا) على ما لنا من القدرة والعظمة الغنية عن الكتابة (كُنَّا) على الدوام (نَسْتَنْسِخُ) أي نأمر ملائكتنا بنسخ أي نقل (ما كُنْتُمْ) طبعا لكم وخلقا (تَعْمَلُونَ) قولا وفعلا ونية ، فإن كان المراد بالنسخ مطلق النقل فهو واضح ، وإن كان النقل من أصل فهو إشارة إلى لوح الجبلات المشار إليه بكنتم أو من اللوح المحفوظ ليطابق به ما يفعله العامل ، ومن المشهور بين الناس أن كل أحد يسطر في جبينه ما يلقاه من خير أو شر.
ولما صرح بالمبطلين حسب ما اقتضاه الحال كما تقدم ، وأشار إلى المحقين ،
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
