دال على أنه لم تنزل صحيفة ولا كتاب إلا في هذه الليلة ، فيدل على أنها ليلة القدر للأحاديث الواردة في أن الكتب كلها نزلت فيها (١) كما بينته في كتابي «مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور» وكذا قوله في سورة القدر (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) فإن الوحي الذي هو مجمع ذلك هو روح الأمور الحكيمة ، وبين سبحانه حال الرسالات بقوله : (رَحْمَةً) وعدل لأجل ما اقتضاه التعبير بالرحمة عما كان من أسلوب التكلم بالعظمة من قوله «منا» إلى قوله : (مِنْ رَبِّكَ) أي المحسن إليك بإرسالك وإرسال كل نبي مضى من قبلك ، فإن رسالاتهم كانت لبث الأنوار في العباد ، وتمهيد الشرائع في العباد ، حتى استنارت القلوب ، واطمأنت النفوس ، بما صارت تعهد من شرع الشرائع وتوطئة الأديان ، فتسهلت طرق الرب لتعميم رسالتك حتى ملأت أنوارك الآفاق ، فكنت نتيجة كل من تقدمك من الرفاق.
ولما كانت الرسالة لا بد فيها من السمع والعلم ، قال : (إِنَّهُ هُوَ) أي وحده (السَّمِيعُ) أي فهو الحي المريد (الْعَلِيمُ) فهو القدير البصير المتكلم ، يسمع ما يقوله رسله وما يقال لهم ، وكل ما يمكن أن يسمع وإن كان بحيث لا يسمعه غيره من الكلام النفسي وغيره الذي هو بالنسبة إلى سمعنا كنسبة ما تسمعه من الكلام إلى سمع الأصم وسمعه ليس كأسماعنا ، بل هو متعلق بالمسموعات على ما هي عليه قبل وجودها كما أن علمه متعلق بالمعلومات كما هي قبل كونها.
ولما ذكر إنزال الكتاب على تلك الحال العظيمة البركة لأجل الإرسال ، وبين أن معظم ثمرة الإرسال الإنذار لما للمرسل إليهم من أنفسهم من التوار ، دل على ذلك من التدبير المحكم الذي اقتضته حكمة التربية فقال : (رَبِ) أي مالك ومنشىء ومدبر (السَّماواتِ) أي جميع الأجرام العلوية (وَالْأَرْضِ) وما فيها (وَما بَيْنَهُما) مما تشاهدون من هذا الفضاء ، وما فيه من الهواء وغيره ، مما تعلمون من اكتساب العباد ، وغيرهما مما لا تعلمون ، ومن المعلوم أنه ذو العرش والكرسي فعلم بهذا أنه مالك الملك كله.
ولما كانوا مقرين بهذه الربوبية ويأنفون من وصفهم بأنهم غير محققين لشيء يعترفون به ، أشار إلى ما يلزمهم بهذا الإقرار إن كانوا كما يزعمون من التحقيق فقال : (إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) أي إن كان لكم إيقان بأنه الخالق لما ركز في غرائزكم وجبلاتكم رسوخ العلم الصافي السالم عن شوائب الأكدار من حظوظ النفوس وعوائق العلائق ،
__________________
(١) انظر الدر المنثور ٥ / ٧٣٨ ـ ٧٣٩.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
