قول الشافعي رحمهالله تعالى : هل كان النبي صلىاللهعليهوسلم شرط لقريش في الصلح رد النساء ففي قول : لم يشترطه بل أطلق رد من جاءه فتوهموا تناول النساء ، وكان النبي صلىاللهعليهوسلم عالما بعدم دخولهن ، فأطلق ذلك حذيفة يعني ومن شرعه أن الحرب خدعة ، وفي قوله : شملهن الشرط ، لكن هل شرطه صريحا أم دخلن في الإطلاق فيه وجهان أظهرهما الثاني ، وهل كان شرطهن جائزا فيه وجهان : أحدهما نعم ثم نسخ ، وهل ناسخه الآية المذكورة أم منع النبي صلىاللهعليهوسلم من الرد فيه وجهان مبنيان على أنه هل يجوز نسخ السنة بالقرآن وفيه قولان للشافعي رحمهالله تعالى ، ومختاره منهما المنع وهو الجديد ، وكذا لا يجوز عنده وعند أصحابه نسخ الكتاب بالسنة وإن كانت متواترة ـ انتهى. ومعناه أنه لم يقع فإن وقع نسخها بالقرآن كان معه سنة ، وإن وقع نسخه بالسنة كان معها قرآن ، وهو معنى قول ابن السبكي في جمع الجوامع : قال الشافعي رضي الله عنه : وحيث وقع بالسنة فمعها قرآن أو بالقرآن فمعه سنة عاضدة تبين توافق الكتاب والسنة.
ولما كان الاختبار ربما دل إيمانهن لا يعلم إلا به ، نفى ذلك بقوله مستأنفا في جواب من يقول : أليس الله بعالم بذلك ، ومفيدا أن علمكم الذي تصلون إليه بالامتحان ليس بعلم ، وإنما سماه به إيذانا بأن الظن الغالب في حقكم بالاجتهاد والقياس قائم مقام العلم يخرج من عهدة (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) [الإسراء : ٣٦] : (اللهُ) المحيط بكل شيء قدرة وعلما (أَعْلَمُ) أي منكم ومنهن بأنفسهن (بِإِيمانِهِنَ) هل هو كائن أو لا على وجه الرسوخ أو لا ، فإنه محيط بما غاب كإحاطته بما شهد ، وإنما وكل الأمر إليكم في ذلك سترا للناس ولئلا تكون شهادته لأحد بالإيمان والكفران موصلة إلى عين اليقين فيخرج عن مبنى هذه الدار ، قال القشيري : وفي الجملة الامتحان طريق إلى المعرفة ، وجواهر النفس تتبين بالتجربة ، ومن أقدم على شيء من غير تجربة يجني كأس الندم ، قال : (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَ) أي العلم المتمكن لكم وهو الظن المؤكد بالأمارات الظاهرة بالحلف وغيره (مُؤْمِناتٍ) أي مخلصات في الهجرة لأجل الإيمان ، والتعبير بذلك للإيذان بمزيد الاحتياط.
ولما ذكر هذا الامتحان بين أنه علة لحمايتهن والدفع عنهن فأتبعه مسببه فقال : (فَلا تَرْجِعُوهُنَ) أي بوجه من الوجوه (إِلَى الْكُفَّارِ) وإن كانوا أزواجا ، ومن الدليل على أن هذا ظاهر في المراد وأن القرائن موضحة له أنه صلىاللهعليهوسلم لما أبى أن يرد إليهم من جاءه من النساء لم يعب أحد من الكفار ذلك ، ولا نسب إلى عهده صلىاللهعليهوسلم ـ وحاشاه ـ خللا ، ولو لا أن ذلك كذلك لملؤوا الأرض تشغيبا كما فعلوا في سرية عبد الله بن جحش رضي الله عنه إلى نخله التي نزل بسببها (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ) [البقرة :
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
